فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 3897

فقد أخبر بالابتلاء، وعرف حكمة تعرضه له، وحذر من الوقوع فيه وبذلت له كل أسباب النجاح فيه..

فإذا هو اعتدى- بعد ذلك- كان العذاب الأليم جزاء حقًا وعدلًا وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلًا.

بعد هذا يجيء تفصيل كفارة المخالفة مبدوءًا بالنهي مختومًا بالتهديد مرة أخرى:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ، أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا، لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ. عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» ..

إن النهي ينصب على قتل المحرم للصيد عمدًا. فأما إذا قتله خطأ فلا إثم عليه ولا كفارة.. فإذا كان القتل عمدًا فكفارته أن يذبح بهيمة من الأنعام من مستوى الصيد الذي قتله. فالغزالة مثلًا تجزئ فيها نعجة أو عنزة.

والأيِّل تجزئ فيه بقرة. والنعامة والزرافة وما إليها تجزئ فيها بدنة.. والأرنب والقط وأمثالهما يجزئ فيه أرنب. وما لا مقابل له من البهيمة يجزئ عنه ما يوازي قيمته..

ويتولى الحكم في هذه الكفارة اثنان من المسلمين ذوا عدل. فإذا حكما بذبح بهيمة أطلقت هديًا حتى تبلغ الكعبة، تذبح هناك وتطعم للمساكين. أما إذا لم توجد بهيمة فللحكمين أن يحكما بكفارة طعام مساكين بما يساوي ثمن البهيمة أو ثمن الصيد (خلاف فقهي) . فإذا لم يجد صاحب الكفارة صام ما يعادل هذه الكفارة.

مقدرًا ثمن الصيد أو البهيمة، ومجزأ على عدد المساكين الذين يطعمهم هذا الثمن وصيام يوم مقابل إطعام كل مسكين.. أما كم يبلغ ثمن إطعام مسكين فهو موضع خلاف فقهي. ولكنه يتبع الأمكنة والأزمنة والأحوال.

وينص السياق القرآني على حكمة هذه الكفارة:

«لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ» ..

ففي الكفارة معنى العقوبة، لأن الذنب هنا مخل بحرمة يشدد فيها الإسلام تشديدًا كبيرًا: لذلك يعقب عليها بالعفو عما سلف والتهديد بانتقام الله ممن لا يكف:

«عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» .

فإذا اعتز قاتل الصيد بقوته وقدرته على نيل هذا الصيد، الذي أراد الله له الأمان في مثابة الأمان، فالله هو العزيز القوي القادر على الانتقام! ذلك شأن صيد البر. فأما صيد البحر فهو حلال في الحل والإحرام:

«أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ» ..

فحيوان البحر حلال صيده وحلال أكله للمحرم ولغير المحرم سواء.. ولما ذكر حل صيد البحر وطعامه، عاد فذكر حرمة صيد البر للمحرم:

«وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا» ..

والذي عليه الإجماع هو حرمة صيد البر للمحرم. ولكن هناك خلاف حول تناول المحرم له إذا صاده غير المحرم. كما أن هناك خلافًا حول المعنّى بالصيد. وهل هو خاص بالحيوان الذي يصاد عادة. أم النهي شامل لكل حيوان، ولو لم يكن مما يصاد ومما لا يطلق عليه لفظ الصيد.

ويختم هذا التحليل وهذا التحريم باستجاشة مشاعر التقوى في الضمير والتذكير بالحشر إلى الله والحساب:

«وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» .. وبعد. ففيم هذه الحرمات؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت