فهرس الكتاب

الصفحة 970 من 3897

هذا الدرس بطوله بقية في تصحيح العقيدة وتقويم ما دخل عليها عند النصارى من انحرافات أخرجتها عن أصلها السماوي عند قاعدتها الأساسية. إذ أخرجتها من التوحيد المطلق الذي جاء به عيسى- عليه السلام- كما جاء به كل رسول قبله، إلى ألوان من الشرك، لا علاقة لها أصلًا بدين الله.

ومن ثم فإن هذا الدرس كذلك يستهدف تقرير حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية- كما هي في التصور الإسلامي- تقرير هذه الحقيقة من خلال هذا المشهد العظيم الذي يعرضه والذي يقرر فيه عيسى- عليه السلام- على ملأ من الرسل، ومن البشر جميعًا، أنه لم يقل لقومه شيئا مما زعموه من ألوهيته ومن تأليه أمه وأنه ما كان له أن يقول من هذا الشرك كله شيئًا! والسياق القرآني يعرض هذه الحقيقة في مشهد تصويري من «مشاهد القيامة» التي يعرضها القرآن الكريم عرضًا حيًا ناطقًا، موحيًا مؤثرًا، عميق التأثير، يهتز له الكيان البشري وهو يتلقاه كأنما يشهده اللحظة في الواقع المنظور. الواقع الذي تراه العين، وتسمعه الأذن. وتتجلى فيه الانفعالات والسمات النابضة بالحياة «1» فها نحن أولاء أمام المشهد العظيم:

«يوم يجمع الله الرسل، فيقول ماذا أجبتم؟ قالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب» : يوم يجمع الله الرسل الذين فرقهم في الزمان فتتابعوا على مداره وفرقهم في المكان فذهب كل إلى قريته وفرقهم في الأجناس فمضى كل إلى قومه.. يدعون كلهم بدعوة واحدة على اختلاف الزمان والمكان والأقوام حتى جاء خاتمهم- صلى الله عليه وسلم- بالدعوة الواحدة لكل زمان ومكان وللناس كافة من جميع الأجناس والألوان..

هؤلاء الرسل إلى شتى الأقوام، في شتى الأمكنة والأزمان.. ها هو ذا مرسلهم فرادى، يجمعهم جميعًا ويجمع فيهم شتى الاستجابات، وشتى الاتجاهات. وها هم أولاء.. نقباء البشرية في حياتها الدنيا ومعهم رسالات الله إلى البشرية في شتى أرجائها، ووراءهم استجابات البشرية في شتى أعصارها. هؤلاء هم أمام الله..

رب البشرية- سبحانه- في مشهد يوم عظيم.

وها هو ذا المشهد ينبض بالحياة:

«يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ. فَيَقُولُ: ماذا أُجِبْتُمْ؟» .

«ماذا أُجِبْتُمْ؟» .. فاليوم تجمع الحصيلة، ويضم الشتات، ويقدم الرسل حساب الرسالات، وتعلن النتائج على رؤوس الأشهاد.

«ماذا أُجِبْتُمْ؟» . والرسل بشر من البشر لهم علم ما حضر، وليس لديهم علم ما استتر.

لقد دعوا أقوامهم إلى الهدى فاستجاب منهم من استجاب، وتولى منهم من تولى.. وما يعلم الرسول حقيقة من استجاب إن كان يعرف حقيقة من تولى. فإنما له ظاهر الأمر وعلم ما بطن لله وحده.. وهم في حضرة الله الذي يعرفونه خير من يعرف والذي يهابونه أشد من يهاب والذي يستحيون أن يدلوا بحضرته بشيء من العلم وهم يعلمون أنه العليم الخبير..

إنه الاستجواب المرهوب في يوم الحشر العظيم، على مشهد من الملأ الأعلى، وعلى مشهد من الناس أجمعين.

الاستجواب الذي يراد به المواجهة.. مواجهة البشرية برسلها ومواجهة المكذبين من هذه البشرية خاصة

(1) يراجع كتاب: «مشاهد القيامة في القرآن» . «دار الشروق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت