فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 3897

ولكن الحواريين كرروا الطلب، معلنين عن علته وأسبابه وما يرجون من ورائه:

«قالُوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا، وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ» .

فهم يريدون أن يأكلوا من هذا الطعام الفريد الذي لا نظير له عند أهل الأرض. وتطمئن قلوبهم برؤية هذه الخارقة وهي تتحقق أمام أعينهم ويستيقنوا أن عيسى عليه السلام قد صدقهم، ثم يكونوا شهودًا لدى بقية قومهم على وقوع هذه المعجزة.

وكلها أسباب كما قلنا تصور مستوى معينًا دون مستوى أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- فهؤلاء طراز آخر بالموازنة مع هذا الطراز! عندئذ اتجه عيسى- عليه السلام- إلى ربه يدعوه:

«قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا، وَآيَةً مِنْكَ، وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» ..

وفي دعاء عيسى- بن مريم- كما يكرر السياق القرآني هذه النسبة- أدب العبد المجتبى مع إلهه ومعرفته بربه. فهو يناديه: يا الله. يا ربنا. إنني أدعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء، تعمنا بالخير والفرحة كالعيد، فتكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وأن هذا من رزقك فارزقنا وأنت خير الرازقين.. فهو إذن يعرف أنه عبد وأن الله ربه. وهذا الاعتراف يعرض على مشهد من العالمين، في مواجهة قومه، يوم المشهد العظيم! واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه.. لقد طلبوا خارقة.

واستجاب الله. على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابًا شديدًا بالغًا في شدته لا يعذبه أحدًا من العالمين:

«قالَ اللَّهُ: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ» ..

فهذا هو الجد اللائق بجلال الله حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوًا. وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع! وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة.. فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا، أو أن يكون في الآخرة.

ويسكت السياق بعد وعد الله وتهديده.. ليمضي إلى القضية الأساسية.. قضية الألوهية والربوبية.. وهي القضية الواضحة في الدرس كله.. فلنعد إلى المشهد العظيم فهو ما يزال معروضًا على أنظار العالمين. لنعد إليه فنسمع استجوابًا مباشرًا في هذه المرة في مسألة الألوهية المدعاة لعيسى بن مريم وأمه. استجوابًا يوجه إلى عيسى- عليه السلام- في مواجهة الذين عبدوه. ليسمعوه وهو يتبرأ إلى ربه في دهش وفزع من هذه الكبيرة التي افتروها عليه وهو منها بريء:

«وَإِذْ قالَ اللَّهُ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت