فهرس الكتاب
ليكن إذًا هذا النثر الاعتيادي فاتحة لجنون، يخوط نصوصًا تنطوي فسيفساء آثارها على بدو وحضر، تنظم عواصمهم قداسًا إباحيًا يلهو بتماثيله!
وفي مختبر الرؤيا مشروعُ إنسانٍ يبتلعُ في نصه شبهُ النثر شبه الشعر، وتجابه الألفُ الياء، والحياةُ التي كمثلِ الموتِ ترضى بموتٍ كمثلِ الحياةِ، وكل شيء للبيعِ، والعالمُ سوقٌ تنتجُ فيه الثورةُ الثروةَ.. السوقُ بيانٌ، والبيانُ كلامٌ!
أستطلعُ النثر على رصيف مقهى الفرح في وجوهِ المارةِ ودليلِ الأسرةِ وسيرةِ قبيلةٍ أهليةٍ.. وألاحظهُ في عيونِ الصباحِ وأطباق العشيةِ، في وجوهِ أكفٍ وأصابعَ وأظافرَ وأسنانِ شحنةِ أرزٍ فاسدةٍ.. وهكذا أحررُ ميراثه الجميلَ من تفاعليه بكثيرٍ من الغموضِ، وبقليلٍ من الوضوح يلطخُ عنواناتهِ بياضٌ يهبني قليلًا من الفوضى وكثيرًا من العدم!
ولابد أن تؤرخ مدائحُ ومقاماتٌ وليلاتٌ ذهبيةٌ بطولة أفواهٍ رسميةٍ وشبه رسميةٍ وشهادةُ أعضاءَ معلومةٍ ومجهولةٍ!
أهذا هو العالم حقًا؟ وهل كنتُ مشروعَ إنسانٍ عطّلت سلالمهُ فكرةً تكتملُ بسلطةِ الجنونِ؟
لابدَّ من موتٍ آخر، ولابد من ولادةٍ أيضًا.. وعليَّ أن أشرب كأسي وحدي أو مع غيري.. ينبغي أن ألتحق بأرضٍ لم أورثْ فيها ينبوعًا أو بيتًا أو حقلًا.. ينبغي أن أستكشف تربةً لم تورثني قبرًا.. وينبغي أن أتكلم على العشق والعاشقِ والمعشوقِ والشهادةِ والشاهدِ والمشهودِ، كي أنسى لذةَ بلاغةٍ تصحبها شهوةُ كتابةٍ.. وعلي أن أخلو بنصٍّ لا وحدةَ فيه ولا كثرةَ!
تفقسُ إشاراتٌ وعباراتٌ.. ترنُ أصواتٌ وأصداءُ، بعد أن دقت ساعةُ الميدانِ الكبرى.. تتجعّدُ أقوالٌ وضحكاتٌ وقهقهاتٌ تفوحُ رائحةُ رجالٍ وأشباهِ فحولٍ، أما عيونُ النسوةِ فتئنُّ خلف عربات السوقِ!
لا نعمة في هذه الخلوةِ على رصيفِ مقهى الفرحِ، فأية بركةٍ في حلمٍ لا قوةَ فيه ولا ولاية؟