الصفحة 62 من 133

في قلوبهم حبا عميقا، فإنهم بعد أن أبصروا هذا المشهد المفجع، ولعلمهم أن السلطان أعد العدة لهجوم عام، لم ينقادوا لخانهم الجديد، بل ساروا في طريق التمرد والعصيان، وبلغ من غلوائهم في هذا الموقف، أن رضوا بتسليم المدينة للترك، على أن يسمح لهم بالخروج منها بجميع سلاحهم ومؤنهم. غير أن الترك لم يحافظوا على كلمتهم، إذ ما إن دخلوا المدينة حتى أشار الباشا على السلطان أن يضعف قوة الفرس، بأن يعمل السيف في رقاب كل الجنود الذين كانوا في المدينة، فوقعت حينذاك مذبحة ذريعة بلغت ضحاياها زهاء عشرين ألف نسمة ذهبت غدرا. واستولى الترك على دير الكبوشيين، ولكن السنيور ميخائيل رئيس المدفعية أفلح في إعادته إليهم.

أما عن الحكومة المدنية في بغداد، فليس فيها غير قاض تناط به كل الأعمال، حتى منصب المفتي، ومعه دفتردار يتسلم واردات السلطان. وفي بغداد خمسة جوامع: اثنان منها مبنيان بهندسة بديعة، تزينها قباب مكسوة بالقرميد المدهون ذي الألوان المختلفة. وفيها أيضا عشر خانات بناؤها حقير ما خلا اثنتين منها ينال فيهما المسافرون قسطا من الراحة. وبالإجمال، إن المدينة ساذجة البناء، لا جمال فيها، اللهم إذا استثنينا أسواقها المسقفة، ولو لا ذلك لما استطاع التجار تحمل حرارة الصيف. وترش الأسواق ثلاث أو أربع مرات في اليوم، يرشها قوم يتقاضون أجورهم من عموم أهل السوق. وتجارة المدينة رائجة، ولكن ليست بما كانت عليه في أيام ملك فارس. لأنه عند ما استولى عليها الترك، اغتالوا كثيرا من أثرياء التجار. ومع ذلك، فإن الناس يتوافدون عليها من كل حدب وصوب، ولا أدري أكان ذلك للتجارة أم للعبادة، فإن شيعة علي (Haly) يعتقدون أن عليا عاش في بغداد (1) . ثم إن كل من يرغب في الحج إلى مكة برا، عليه أن يمر ببغداد، وعلى كل حاج حينذاك أن يدفع إلى باشا بغداد أربعة قروش. ومما يجدر ذكره، ان في بغداد مذهبين إسلاميين، هما مذهب الشيعة ومذهب السنة، وهؤلاء يشبهون في أحوالهم سكان القسطنطينية.

(1) لا نعلم من أين نقل المؤلف هذا الزعم الغريب!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت