الصفحة 9 من 33

ونصوص القرآن تؤيد الأمر الأول، فإن الله تعالى ذم المشركين. بقوله:

{وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] .

وأقوال جمهور علماء الأصول: أصول الدين وأصول الفقه، وعلماء الحديث أنفسهم ـ تؤيد الأمر الثاني، واستثنوا ما احتفت به القرائن، كأن يكون في"الصحيحين"وتلقته الأُمَّةُ بالقبول، وسلم من المعارض، ونازع في ذلك بعض المُحَدِّثِينَ وَالحَنَابِلَةُ.

وهذا التوجه في التعامل مع أحاديث الآحاد في العقائد هو الشائع لدى المدارس والجامعات الدينية الشهيرة في العالم الإسلامي، التى تتبع منهج الأشاعرة والماتريدية في أصول الدين، مثل الأزهر والزيتونة والقرويين وَدَيُوبَنْدْ وما تفرع منها.

يقول شيخنا - سَدَّدَ اللهُ خُطَاهُ:

«لَقَدْ تَخَرَّجْتُ فِي الأَزْهَرِ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، وَمَكَثْتُ فِي الدِّرَاسَةِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، لَمْ أَعْرِفْ خِلاَلَهَا إِلاَّ أَنَّ حَدِيثَ الآحادِ يُفِيدُ الظَنَّ العِلْمِيَّ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ.

وَالقَوْلُ بِأَنَّ حَدِيثَ الآحَادِ يُفِيدُ اليَقِينَ ـ كَمَا يُفِيدُهُ المُتَوَاتِرُ ـ ضَرْبٌ مِنَ المُجَازَفَةِ المَرْفُوضَةِ عَقْلًا وَنَقْلًا».

وينقل عن صاحب"المنار"قوله: «التَفْرِقَةُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ القُرْآنِ مِنَ الأَحْكَامِ، وَمَا ثَبَتَ بِرِوَايَاتِ الآحَادِ، وَاقْتَبَسَهُ الفُقَهَاءُ: ضَرُورِيَّةٌ، فَإِنَّ مَنْ يَجْحَدُ مَا جَاءَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ يَحْكُمُ بِكُفْرِهِ، وَمَنْ يَجْحَدُ غَيْرَهُ يُنْظَرُ فِي عُذْرِهِ! فَمَا مِنْ إِمَامٍ مُجْتَهِدٍ إِلاَّ وَقَدْ قَالَ أَقْوَالًا مُخَالِفَةٍ لِبَعْضِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لأَسْبَابٍ يُعْذَرُ بِهَا، وَتَبِعَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ... وَلاَ يَعُدُّ أَحَدٌ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خُرُوجًا مِنَ الدِّينِ .. » . [2] .

(2) انظر"السُنَّةُ النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث": ص 74، 75. ط. سادسة، دار الشروق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت