إذن فالعلامة السيوطيّ لم يكن- كما قيل- جماعّة وحاطب ليل يجمع بين الغث والسمين، بل كان يختار موضوعه الذي يريد أن يكتب فيه، أو الغرض الذي من اجله أراد اختصار مؤلفٍ ما، ثم يضيف عليه ما تمس به الحاجة ويراه ضروريًا لاستكمال فوائد المؤَلف الأصلي، وكان مع ذلك أمينًا في كل ما يورده، وأمينًا في نقله يعزوا كل قول إلى قائله، وكان يكرر دائما مقولته المشهورة:"بركة العلم عُزوه إلى قائله". (1)
كما لم يكن العلامة السيوطي مجرد ناقل لأراء المتقدمين وملخصًا لكتبهم ومقالاتهم -كما قال بعض الباحثين- فحسب بل كانت له شخصيته المتميزة في الترجيح بين الأقوال والتعليق عليها بالصحة والضعف وانتقادها، ثم أنه كانت له وقفاته التي لم يسبق إليها واختياراته التي تدل على رجاحة عقله وحدة ذكائه، كاختياره لوقوع المعرب في القرآن. (2)
وقد تساءل الدكتور رمضان عبد التواب ماذا للسيوطي في كتابع المزهر بعد أن عرض لمصادره، فذهب إلى"أن له أولًا فضل جمع الجزئيات الصغيرة من هنا وهناك في الموضوع الذي يكتبه، وهو يعزو كل قول إلى صاحبه في أمانة علمية فائقة"ثم أضاف إنه"لم يخل (المزهر) بالإضافة إلى هذا الجمع الدءوب والترتيب المعجب الرائق من خطرات هنا وهناك للمؤلف تعزى إليه وحده، وهي في بعض الأحيان رأي له، واجتهاد وصل إليه بثاقب فكره وطول خبرته اللغوية". (3)
ومع إن العلامة السيوطي قد نقل أغلب مواد كتبه من مصادر كثيرة من كتب اللغة والحديث، والتفسير، والفقه، والأصول، وعلوم القرآن، وغيرها، والتي كانت متاحة في أيامه ثم فقدت فلم تصل إلينا، فلا يمكن أن نغفل أنه لم يكن للسيوطي إضافة ملموسة للنقل في حد ذاته، أما الدور الفعلي الذي يبرز من خلاله السيوطي، فهو اختياره للنصوص وتنسيقها وتنظيمها، على نحو ييسر للقارئ الإفادة منها، ولو تركت وشأنها من غير تحديد لضاعت المعالم بين موضوع وموضوع وذابت الفوارق بين نص ونص، فالعلامة السيوطي رجل منهجي في التأليف لا يترك المسائل تتشابك والموضوعات تختلط بعضها ببعض مما يؤدي إلى الاضطراب في الفهم والعجز في معرفة فحوى النصوص. (4)
وقد رفض الدكتور عبد العال سالم مكرم تهمة التلخيص والتهذيب والتقسيم والتبويب التي وجهت إلى السيوطي، ولا يرى في النقل تهمة بل قيمة في ذاته، فقال:"لا أعترف بهذا الاتهام، لأن التلخيص فن وقدرة واستيعاب وراء فكرة معينة تندرج تحتها هذه التلخيصات التي تمثلها النصوص التي يوردها للفكرة التي عرضها". (5) [1]
(1) 1. ... ينظر: الإمام السيوطيّ وجهوده في علوم القرآن، ص635 - 636.
2.... المصدر السابق.
3.... المصادر اللغوية، ص214 - 215.
4.... ينظر: المدخل إلى مصادر اللغة العربية، ص233. جلال الدين السيوطي وأثره في الدراسات اللغوية، ص318.
5.... جلال الدين السيوطي وأثره في الدراسات اللغوية، ص319.