الصفحة 122 من 165

ثانيًا: إنَّ قياس ديمقراطية المشركين على شورى الموحِّدين وتشبيه مجلس الشورى بمجالس الكفر والفسوق والعصيان تشبيهٌ ساقطٌ وقياسٌ باطلٌ مُتهافت الأركان، فقد علمتَ أنَّ مجلس الشعب أو الأمة أو البرلمان معقلٌ من معاقل الوثنية وصرحٌ من صُروح الشرك، تُنصب فيه آلهة الديمقراطيين وأربابهم المتفرقون وشركاؤهم الذين يُشرِّعون لهم من الدين ما لم يأذن به الله وِفقًا لدساتيرهم وقوانينهم الأرضية (80) . قال تعالى: {ءأربابٌ متفرقون خيرٌ أمِ الله الواحدُ القهّار * ما تعبدونَ من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطانٍ إنِ الحكمُ إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّمُ ولكنَّ أكثرَ النّاسِ لا يعلمونَ} .

وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} .

فهذا القياس هو من قبيل قياس الشرك على التوحيد والكفر على الإيمان .. وهو من القول على الله بغير علم والإفتراء على دينه والكذب على الله، والخوض والإلحاد في آياته سبحانه وتلبيس الحق على الخلق بالباطل، والنّور بالظلام ..

إذا تبيّن هذا فليعلم المسلم أنَّ الفوارق الجليّة بين الشورى التي شرعها الله لعباده، وبين الديمقراطية العفِنة هي كما بين السماء والأرض ... بل هي في عِظَمها كعِظم الفارق بين الخالق والمخلوق.

فالشورى نظامٌ ومنهجٌ ربانيٌّ .. والديمقراطية من صنع البشر الناقصين الذين تتخللهم الأهواءُ والنزوات.

الشورى من شرع الله تعالى ودينه وحكمه ... والديمقراطية كفرٌ بشرع الله ودينه ومناقضةٌ لحكمه.

والشورى تكون فيما لا نصَّ فيه، أما عند ورود النص فلا شورى، يقول الله تعالى: {وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسولُه أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} . أما الديمقراطية فهي استخفافٌ وتلاعبٌ في كلِّ باب ولا اعتبار فيها لنصوص الشرع وأحكام الله ولكن الاعتبار كلِّ الاعتبار في الديمقراطية هو لحكم الشعب وتشريع الشعب في كلِّ المجالات (84) . لذا عرَّفوها في دساتيرهم بقولهم: (الأمة مصدر السلطات جميعًا) .

والديمقراطية تَعتبر الشعب أعلى سلطة في الوجود وهي حكم أكثرية الشعب وتشريع الأكثرية ودين الأكثرية، الأكثرية تحلِّل والأكثرية تحرِّم ... فالأكثرية هي الإله والربُّ في الديمقراطية ... أما في الشورى فالشعب أو الأكثرية هي الملتزمة المأمورة بالسمع والطاعة لله ولرسوله ثم لإمام المسلمين، ولا يُلْزم الإمام برأيِ الأكثرية ولا حُكمِها وإنما الأكثرية مأمورةٌ بالسمع والطاعة للأئمة وإن جاروا ما لم يأمروا بمعصية.

فالديمقراطية ميزانها وإلهها الأكثرية، وهي مصدر السلطات جميعًا .. أما الشورى فليس للأكثرية فيها أثرٌ ولا ميزان بل قد حَكَم الله على الأكثرية بحكمٍ واضحٍ في كتابه فقال:

{وإنْ تُطع أكثر من في الأرض يُضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} . {وما أكثرُ النّاس ولو حرصتَ بمؤمنين} . {وإن كثيرًا من الناس بلقائ ربهم لكافرون} . {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} . {ولكن أكثر النّاس لا يشكرون} . {ولكن أكثر النّاس لا يؤمنون). ولكن أكثر النّاس لايعلمون} (. فأبى أكثر النّاس إلا كفورا) .

هذا من كلام الله وهو كثير .. ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما النّاس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .. وفي البخاري أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: يا آدم .. أخرجْ بعثَ النّار. قال وما بعثُ النّار؟ قال: مِنْ كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملها، وترى النّاس سُكارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذاب الله شديد) هذا شرع الله ودين الله يبيّن ضلال الأكثرية وانحرافهم، ولذلك يحكم الله سبحانه فيقول: {إنِ الحكمُ إلا لله} .

وتأبى الديمقراطية ودعاة الديمقراطية ويرفضون الاستسلام لحكم الله وشرعه ويعاندون ويقولون: (إنِ الحكمُ إلا للأكثرية) فتبًا وسُحقًا لمن تبعهم وسار على دربهم وهتف لديمقراطيتهم مهما طالت لحيته أو قَصُر ثوبُه كائنًا من كان .... نقولها لهم في الدنيا لعلهم يؤوبون ويرجعون، خيرًا لهم وأهون من أن يسمعوها في الموقف العظيم يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين فيقصدون حوضَ النبي صلى الله عليه وسلم فتحجزهم الملائكة ويقال: إنهم بدّلوا وغيّروا فيقولها النبي صلى الله عليه وسلم: (سُحقًا سُحقًا لمن بدّل بعدي) ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت