الصفحة 495 من 952

ثم قال: (ولهما) أي للبخاري ومسلم (عن أنس قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( لا عدوى ولا طيرة ) )). لا عدوى هاذا فيه ما تقدم من النفي في الحديث السابق، وبعض العلماء قال: (( لا ) )هنا ليست نافية إنما هي ناهية، ينهى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الاعتقاد الجاهلي في العدوى، وهاذا أيضًا يرجع إلى ما ذكرنا في السابق أن النفي هنا ليس نفيًا لوجود الشيء، إنما هو نفي لما يعتقده أهل الجاهلية فيه.

قال: (( ولا طيرة ) )أي ولا تشاؤم، فنفى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الطيرة، أيضًا مما يدخل في النفي هنا التيامن؛ لأن الطيرة تطلق على التشاؤم وعلى التيامن، فهم كانوا إذا مر الطير من جهة اليسار إلى اليمين استبشروا بذلك وتيامنوا ومضوا في حاجتهم، وإذا مر من اليمين إلى اليسار تشاءموا به وانكفوا عن حاجتهم، فالطِّيرة تشمل معنيين، فقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ولا طيرة ) )يشمل النهي عن التيامن والنهي عن التشاؤم في ما لم يجعله الشارع محلاًّ للشؤم ولا محلاًّ لليمن، إذًا النفي للطيرة ليس فقط نفيًا للتشاؤم إنما هو نفي للتشاؤم ونفي للتيامن أيضًا؛ لأنهم كانوا يفعلون هاذا في أسفارهم وأعمالهم فيتشاءمون ويتيامنون بحركات الطيور.

وبعضهم يزيد على ذلك فيتشاءم ويتيامن بالاستقسام بالأزلام، فيستقسمون بالأزلام، فإذا هم أحدهم بعمل ضرب القداح التي هي ثلاثة: قدح فيه افعل، وقدح لا تفعل، وقدح مهمل لا فيه افعل ولا تفعل، فالذي يخرج يمضيه. هاذا أيضًا من الطيرة التي نهى عنها رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وإن كانت بطريقة خاصة وهي الاستقسام بالأزلام، لكنها تجتمع مع الطيرة في أي شيء؟ في المعنى أنها تيامن وتشاؤم.

إذًا قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ولا طيرة ) )هاذا نفي لأي شيء يا إخواني؟ نفي للتشاؤم والتيامن بما ليس محلاًّ لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت