خامسًا - نص براءة الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
فإن الكتاب الذي بين أيدينا"الأذكار"للإمام النووي -رحمه الله- قد طُبِعَ بتحقيقي في مطبعة"الملاّح"بدمشق سنة 1391 هـ الموافق 1971 م. ثم قمت بتحقيقه مرة أخرى، وقام بطبعه مدير دار الهدى بالرياض الأستاذ"أحمد النحّاس". وكان قد قَدّمَهُ للإدارة العامة لشؤون المصاحف ومراقبة المطبوعات برئاسة"البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض". وسُلِّم الكتاب إلى هيئة مراقبة المطبوعات، وقرأه أحد الأساتذة وتَصرّفَ فيه في:"فصل في زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وجَعَله:"فصل في زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم"! مع تغيير بعض العبارات في هذا الفصل صفحة (295) ، وحذف من صفحة (297) قصة العتبي، وهو محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية الأموي العتبي الشاعر، الذي ذكر قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر رسول صلى الله عليه وسلم وقال له: «جئتك مستغفرا من ذنبي» ، وأن العتبي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال له: «يا عتبي إلحق الأعرابي فبَشّره بأن الله قد غفر له» ، وحَذَفَ التّعليق الذي ذكرته حول هذه القصة. وقد ذكَرتُ أنها غير صحيحة، ومع ذلك كله حذفها وحذف التعليق الذي علقته عليها!
وهذا التصرّف الذي حَصَلَ في هذا الكتاب، لم يكن مِنّي أنا العبد الفقير إلى الله تعالى العلي القدير"عبد القادر الأرناؤوط"، وكذلك لم يكن من مدير دار الهدى الأستاذ"أحمد النحّاس". وإنما حَصَل من"هيئة مراقبة المطبوعات". ومدير دار الهدى ومحقّق الكتاب لا يحمِلان تِبعة ذلك، وإنما الذي يحمل تبعة ذلك"هيئة مراقبة المطبوعات".
ولا شَكَّ أن التصرُّف في عبارات المؤلّفين لا يجوز. وهي أمانةٌ علميةٌ. وإنما على المحقّق والمدقّق أن يترك عبارة المؤلف كما هي، وأن يُعلِّقَ على ما يراه مخالفًا للشرع والسُّنة في نظره، دون تغييرٍ لعبارة المؤلّف.
وكان الأخ في الله الأستاذ"أحمد النحّاس"كلّمني بالهاتف من الرياض إلى دمشق، وذكر لي أن المدقّق تصرّف في الكتاب، وأنه حصل تغييرٌ وتبديلٌ. ولكن كلّ ظنّي أنه تصرّفٌ مع التعليق على ذلك المكان، كما هي عادة المحققين والمدققين. وأخيرًا طُبِعَ الكتاب، وطُرِحَ إلى السوق في الرياض. وبعد اطلاعنا على الكتاب، ما كان من مدير دار الهدى الأستاذ"أحمد النحاس"إلا أن قام بطباعته مرةً أخرى، و رَدّ قصة العتبي المحذوفة إلى مكانها -كما كانت سابقًا في جميع الطبعات- مع التعليق عليها من قِبَليْ. وزِدتُ عليه بيانًا أن هذه القصة غير صحيحة. وفي هذه الطبعة الأخيرة ردَّ كلام النووي كما كان أيضًا في جميع الطبعات، مع التعليق عليه.
وفي الحقيقة -كما قلت- لم يكن التصرّف في هذا الكتاب: لا من قِبَليْ، ولا من قِبَلِ مدير دار الهدى الأستاذ أحمد النحاس. وهدى الله تعالى من تَصرَّفَ في الكتاب، ورَدَّنا الله تعالى وإياه إلى الصواب، وسامح الله تعالى الأستاذ"محمد عوامة الحلبي"الذي اتهمني في كتابه"صفحات في أدب الرأي"صفحة (77) بتغيير نصوص العلماء والتلاعب بها. وقال في التعليق: «أكتب هذا بناءً على أنه هو فاعل ذلك، وعلى أنه هو المسؤول. فقد طبع اسمه على الكتاب، والله أعلم بما وراء ذلك» . هذا وقد بيّنتُ مَنْ هو وراء ذلك، فسامحه الله وهدانا وإياه إلى الصواب. فإنه قد فتح الباب في الاتهام لمحقّقٍ جديدٍ اسمه"سُبَيع حمزة حاكمي الحمصي"وهو الآن يعمل في جدة. فقد اتّهمني في مقدمة كتاب"الأذكار"الذي حققه من جديد بـ"الخيانة"وعدم الأمانة والتحريف والتشويه والحذف والتبديل. وتَهَكَّمَ بلقب الشيخ وقال: «اتق الله أيها الشيخ، وارفع يدك عن كتب التراث، وابحث عن مصدر آخر للرزق» . ويقول: «ما كتبنا هذا لنشهر، بل لنحذّر. فالشيخ لا يعرفنا ولا نعرفه» ! يقول هذا ويقِرّ بأنه لا يعرفني ولا أعرفه. فكيف يتهمني بهذه الاتهامات الباطلة وهو لا يعرفني ولا يعرف حقيقة ما حصل في الكتاب؟ ومن الذي غيّرَ وبدّل؟ وهل أنا المتصرّف أم غيري بمجرد أنه سمع من الناس؟ أهكذا يعمل طالب العلم؟ والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) سورة الحجرات. ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (58) سورة الأحزاب. ويقول تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (112) سورة النساء. ويقول تعالى: { ... وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} (61) سورة طه.
وهذا المُتّهم"الشيخ سبيع حمزة حاكمي الحمصي"مَرَّ على قصة العتبي أثناء تحقيقه صفحة (284-285) من طبعته، ولم يُعلّق عليها شيئًا، مع أن هذه القصة ليس لها إسنادٌ صحيحٌ، ومتنها مخالفٌ للأحاديث الصحيحة. وسكت عنها وكأنها قِصةٌ صحيحةٌ مُسلَّمٌ بها. وقد قال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي -تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذ الحافظ المِزِّيّ- في كتابه"الصارم المنكي في الرد على السبكي": «ذكرها الحافظ البيهقي في"شُعَب الإيمان"بإسنادٍ مظلمٍ» . قال: «و وَضَعَ لها بعض الكذّابين إسنادًا إلى عليٍّ t» . وقال أيضًا ابن عبد الهادي في"الصارم المنكي في الرد على السبكي"صفحة (430) : «هذا خبرٌ موضوعٌ، وأثَرٌ مُختَلقٌ مصنوعٌ لا يصلح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض» .
وقد أخطأ الإمام النووي -رحمه الله- حيث ذكر هذه القصة وسكت عليها. وكان الأوْلى أن لا يذكرها حتى لا يغر بها القراء ويستشهدوا بها. أقول: كيف تصح هذه القصة وفيها يقول العتبي: «جاء الأعرابي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:"جئتك مستغفرا من ذنبي"، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبره؟ والله تعالى يقول في كتابه: { ... وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ... } (135) سورة آل عمران. أي لا يغفرها أحدٌ سواه. قال الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي: «ولم يفهم أحدٌ من السلف والخلف من الآية الكريمة { ... وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (64) سورة النساء، إلاّ المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم» .
وهذه قضية لها علاقة بالعقيدة والتوحيد، فلا يجوز التساهل فيها والسكوت عنها. وإن عقائد السلف الصالح أنهم يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا. فلا يَسأَلون إلا الله تعالى، ولا يستعينون إلا بالله عز وجل، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا. ويتوسّلون إلى الله تعالى بطاعته وعبادته والقيام بالأعمال الصالحة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ... } (35) سورة المائدة. أي تقربوا إليه بطاعته وعبادته سبحانه وتعالى.
قال عبد الله بن مسعود t: «اتّبِعوا ولا تبتدِعوا فقد كُفيتم» . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «قِفْ حيث وَقَفَ القوم. فإنهم عن عِلْمٍ وقفوا، وببَصرٍ نافِذٍ كفّوا» . وقال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام رحمه الله: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس. وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول» . وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: «إلزم طرق الهدى، ولا يغُرّك قِلّةَ السالكين. وإيّاك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين» .
هذا وإن شريعة الله تعالى محفوظة من التغيير والتبديل، وقد تكَفَّلَ الله تعالى بحفظها فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9) سورة الحجر. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثه: «يحمِلُ هذا العِلْمَ من كُلِّ خَلَفٍ عُدُوله: يَنفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» . وهو حديثٌ حَسَنٌ بطرقه وشواهده.
نسأل الله تعالى أن يهدينا للعقيدة الصافية، والسريرة النقية الطاهرة، والأخلاق المرضية الفاضلة عند الله تعالى، وأن يعافينا من اتهام الأبرياء. وأن يُحْيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإيمان وشريعة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. اللهم تَوَفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، واغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. ونسأله تعالى أن يلهمنا الصواب في القول والعمل.
قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (70-71) سورة الأحزاب.
كما نسأله تعالى أن يجعل قلوبنا طاهرة من الحقد والحسد، وعامرة بذكر الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. وأن يُلهمنا القول بالحق في الرضى والغضب، وأن يرزقنا التقوى في السر والعلانية { ... هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} (56) سورة المدثر. إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.