فهرس الكتاب
= أوامر الله تعالى وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - كلها، بعضها إلى بعض، والانقياد إلى جميعها، والأخذ بها، وأن لا يقال في شيء منها: هذا منسوخ إلا بيقين. برهان ذلك قول الله تعالى:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} . فصح أن كل ما أمر الله تعالى به أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - ففرض علينا الأخذ به، والطاعة له. ومن ادعى في شيء من ذلك نسخًا فقوله مطرَّح, لأنه يقول لنا: لا تطيعوا هذا الأمر من الله تعالى، ولا من رسوله - صلى الله عليه وسلم -!. فواجب علينا عصيان من أمر بذلك، إلا أن يأتي نص جلي بين يشهد بأن هذا الأمر منسوخ، أو إجماع على ذلك، أو
بتاريخ ثابت مبين أن أحدهما ناسخ للآخر. وأما نحن فإن قولنا هو: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأكمله، ونهانا عن اتباع الظن. فلا يجوز ألبتة أن يرد نصان يمكن تخصيص أحدهما من الآخر وضمه إليه، إلا وهو مراد الله تعالى منهما بيقين، وأنه لا نسخ في ذلك بلا شك أصلًا. ولو كان في ذلك نسخ لبينه الله بيانًا جليًا، ولما تركه ملتبسًا مشكلًا. حاش لله من هذا". وقد اتجه ابن القيم الإِمام وِجْهة أخرى في هذا الحكم، بعد أن نفى دعوى النسخ نفيًا باتًا، فقال في تهذيب السنن 6: 238:"والذي يقتضيه الدليل: أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزير بحسب المصلحة. فإذا أكثر الناس من
الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإِمام أن يقتل فيه- قَتَلَ. ولهذا كان عمر رضي الله عنه ينفي فيه مرة، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانين، وقد جلد رسول الله -صلي الله عليه وسلم - وأبو
بكر رضي الله عنه أربعين. فقتله في الرابعة ليس حدًا، وإنما هو تعزيز بحسب المصلحة"."
ولم أستطع أن أرى الدليل الذي اقتضى هذا في نظر ابن القيم. وما أرى إلا أن القتل في هذه الحال حكم ثابت محكم. يجب الأخذ به في كل حال. وممن ذهب إلى هذا من المتأخرين السيوطي، فقد نقل عنه السندي ذلك في حواشيه على سنن النسائي 2: 330، قال:"وللحافظ السيوطي فيه بحث، ذكره في حاشية الترمذي، وانفرد بالقول بان الحق بقاؤه". وقد بحثت جهدي عن شرح السيوطي على الترمذي، فلم أجده.
وكنت أود نقل كلامه هنا بحروفه، تمامًا للبحث. وكنت أعرف منذ بدء الطلب أن الشيخ علي بن سليمان الدمنتي البجمعوي المعربي، اختصر شروح السيوطي للكتب الستة، وجاء بشروحه إلى مصر لطبعها. وكان اختصاره اختصارًا عجيبًا - رحمه الله- =