وليس ذلك خاصًا بعمر، فإن مَن قوي إيمانه يقهر شيطانه، ويذله، كما في الحديث: (إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر) . رواه أحمد. قال ابن كثير [1] : بعد أن ساق هذا الحديث:"ومعنى لينصي شيطانه: ليأخذ بناصيته، فيغلبه، ويقهره، كما يفعل بالعبير إذا شرد ثم غلبه".
وقد يصل الأمر أن يؤثر المسلم في قرينه الملازم له فيسلم، أخرج مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) ، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: (وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) [2] .
ثالثًا: تسخير الجن لنبي الله سليمان:
سخر الله لنبيه سليمان - في جملة ما سخر - الجن والشياطين، يعملون له ما يشاء، ويعذب ويسجن العصاة منهم: (فسخَّرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب - والشَّياطين كل بنَّاءٍ وغوَّاصٍ - وآخرين مقرَّنين في الأصفاد) [ص: 36-38] .
وقال في سورة سبأ: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السَّعير - يعملون له ما يشاء من مَّحاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدورٍ رَّاسياتٍ) [سبأ: 12-13] .
وهذا التسخير على هذا النحو استجابة من الله لعبده سليمان حين دعاه
(1) البداية والنهاية: 1/73، وفي رواية أخرى: (لينضي شيطانه) أي يهزله ويجعله نضوًا أي مهزولًا لكثرة إذلاله له وجعله أسيرًا تحت قهره وتصرفه.
(2) رواه مسلم: 4/2167. ورقمه: 2814.