الصفحة 119 من 169

وقد توافرت الأدلة وتضافرت على قبول الأخذ بغلبة الظن في كافة المعاملات والعلاقات بين الناس. فالتحكيم في قتل صيد المحرم يكون بقياسه على مثله من ذوي الخبرة، وهذا قائم على غلبة الظن، والاختلاف على سعر المثل ومهر المثل وعيب الثوب يكون بقياسه على مثله، وكذلك تقدير أجرة الأجير، وكل شيء يجري فيه التحكيم والمصالحة يكون بالتقدير والاجتهاد مع غلبة الظن، شرط أن يكون المحكَّمون من ذوي الخبرة لا من ذوي الجهالة.

ولكن هل يجوز شيء من ذلك فيما يتعلق بالاعتقادات والمغيبات وأصول الإيمان؟ فهذه أمور كلف المسلم بالإحاطة بها، أي بالعلم بها وأخذها باليقين والقطع. و هاتيك أمور لم يكلف المسلم بالإحاطة بها بالعلم والقطع واليقين. ولكنه كلف بالاجتهاد بها والتحري فيها قدر الاستطاعة.

والإمام الخطيب البغدادي وهو محدث أصولي وفقيه مشهود له في علم الحديث والرواية فإنه يقول (1) : (باب القول في وجوب العمل بخبر الواحد العدل) ويسوق بعضًا من الأدلة التي استشهد بها بعض المعاصرين. فالخطيب البغدادي يدرك الفرق بين العمل والاعتقاد، كما يدرك الفرق بين أدلة الاعتقاد وأدلة العمل. فكل ما أورده من بحث في معنى الطائفة وقبول خبرها عند بحث آية"وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً" (2) ، وكذلك عند البحث في آية"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا" (3) كل ذلك إنما هو في بحث العمل بخبر الواحد، أي بالدليل الظني. فعنوان البحث يعين موضوعه وهو:"وجوب العمل بخبر الواحد العدل".

(1) كتاب (الفقيه والمتفقه) للبغدادي

(2) التوبة / 122.

(3) الحجرات / 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت