الصفحة 57 من 169

وتوسط الشاطبي فجوز الاحتجاج بالأحاديث التي اعتني بنقل ألفاظها. قال في شرح الألفية: لم نجد أحدًا من النحويين استشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم، الذين يبولون على أعقابهم، وأشعارهم التي فيها الفحش والخنا، ويتركون الأحاديث الصحيحة، لأنها تنقل بالمعنى وتختلف رواياتها وألفاظها بخلاف كلام العرب وشعرهم؛ فإن رواته اعتنوا بألفاظها، لما يبنى عليه من النحو، ولو وقفت على اجتهادهم قضيت منه العجب، وكذا القرآن ووجوه القراءات. وأما الحديث فعلى قسمين: قسم يعتني ناقله بمعناه دون بلفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان. وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم، ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل بن حجر، والأمثال النبوية، فهذا يصح الاستشهاد به في العربية، وابن مالك لم يفصل هذا التفصيل الضروري الذي لا بد منه، وبنى الكلام على الحديث مطلقًا، ولا أعرف هل يأتي بها أو بمثل هذا من السلف إلا ابن خروف، فإنه أتى بأحاديث في بعض المسائل، حتى قال ابن الضائع: لا أعرف هل يأتي بها مستدلًا بها أم هي لمجرد التمثيل.

والحق أن ابن مالك غير مصيب في هذا، فكأنه بناه على امتناع نقل الحديث بالمعنى وهو قول ضعيف.

وقد تبعه السيوطي في"الاقتراح"قال فيه: وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما أثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدًا، إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضًا. فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا وقدموا وأخروا، وبدلوا ألفاظًا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث الواحد مرويًا على أوجه شتى، بعبارات مختلفة، ومن ثَمّ أنكروا على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الأحاديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت