فهرس الكتاب
ويدل على ذلك أيضا اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وللسامع بقوله أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وبغير اللغة العربية. وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله، سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان، لأنه لا يأمن الغلط وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه، وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه، دون إيراد نفس لفظه وصورته، وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه والعلم بإحكامه، ويدل على ذلك أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغيير معنى اللفظ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك كان مخبرًا بالمعنى المقصود من اللفظ وصادقًا على الرسول صلى الله عليه وسلم، وبمثابة من أخبر عن كلام زيد وأمره ونهيه وألفاظه بما يقوم مقام كلامه وينوب منابه غير زيادة ولا نقصان، فلا يعتبر أن راوي ذلك الحديث قد أتى بالمعنى المقصود وليس بكاذب ولا محرف، وقد ورد القرآن بمثل ذلك فإن الله تعالى قص من أنباء ما قد سبق قصصًا، كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، و نقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ونحو ذلك.