الصفحة 74 من 169

أما الحديث الأول فهو حجة عليكم، لأنه قد علل فيه، ونبه على ما يقول بقوله صلى الله عليه وسلم:"فرُبّ مبلًّغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه وإلى من هو أفقه منه". وكأنه قال: إذا كان المبلَّغ أوعى من السامع وأفقه منه وكان السامع غير فقيه ولا ممن يعرف المعنى وجب عليه تأدية اللفظ ليستنبط من نص اللفظ العالم الفقيه، وإلا فلا وجه لهذا التعليل إن كان حال المبلِّغ والمبلَّغ سواء. على أن رواة هذا الخبر نفسه قد رووه على المعنى، فقال بعضهم:"رحم الله"مكان"نضر الله"، و:"من سمع"بدل"امرءًا سمع"، و:"روى مقالتي"بدل"منا حديثًا"، و:"بلّغه"مكان"أدّاه". وروي:"فرب مبلَّغ أفقه من مبلِّغ"مكان"فرب مبلَّغ أوعى من سامع"، و:"رب حامل فقه لأفقه منه"مكان"ليس بفقيه". وألفاظ سوى هذه متغايرة تضمنها هذا الخبر، والظاهر يؤيد أن هذا الخبر نقل على المعنى فلذلك اختلفت ألفاظه وإن كان معناها واحدًا، والله أعلم.

وأما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل في الحديث الثاني قوله:"برسولك"إلى"وبنبيك الذي أرسلت"فإن النبي أمدح من الرسول، ولكل واحد من هذين النعتين موضع، ألا ترى الرسول - أي اسم الرسول- يقع على الكافة؛ واسم النبي لا يتناول إلا الأنبياء خاصة؟ وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة معًا، فلما قال:"وبنبيك الذي أرسلت"جاء بأمدح النعت وهو النبوة ثم قيده بالرسالة حين قال الذي أرسلت.

وبيان آخر وهو أن قوله"وبرسولك الذي أرسلت"غير مستحسن، لأنه يجتزأ بالقول الأول أن هذا رسول فلان عن أن يقول الذي أرسله، إذ كان لا يفيد القول الثاني إلا المعنى الأول، وكان قول"وبنبيك الذي أرسلت"يفيد الجمع بين النبوة والرسالة، فلذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم به ورده إليه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت