الصفحة 155 من 263

فائدة

الاستعاذة: طلب العياذ، يقال استعاذ: إذا طلب العياذ، والعياذ: ما يؤمِّن من الشر، كالفرار من شيء مخوف إلى ما يؤمِّن منه، أو إلى من يؤمِّن منه، ويقابلها اللياذ، وهو: الفرار إلى طلب الخير، والتوجه إليه، والاعتصام به، والإقبال عليه، لطلب الخير.

والاستعاذة: استفعال، ومادة (استفعل) موضوعة في الغالب للطلب، فغالب مجيء (الألف والسين والتاء) للطلب؛ فمعنى: استعاذ، واستعان، واستغاث، واستسقى: طلب تلك الأمور، وتأتي أحيانا للدلالة على كثرة الوصف في الفعل، كما في قوله - جل وعلا: (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) (التغابن/6) ؛ فـ (استغنى) ليس معناها طلب الغنى، وإنما جاء بالسين والتاء هنا: للدلالة على عظم الاتصاف بالوصف الذي اشتمل عليه الفعل، وهو: الغني. فـ (استعاذ) و (استغاث) و (استعان) ، وأشباه ذلك فيها طلب، والطلب من أنواع التوجه والدعاء، لأن الطلب يدل على أن هناك من يُطلب منه والمطلوب منه لما كان أرفع درجة من الطالب: كان الفعل المتوجه إليه يسمى دعاء؛ ولهذا فإن حقيقة الاستعاذة لغة، ودلالتها شرعا هي: طلب العوذ، أو طلب العياذ؛ وهو الدعاء المشتمل على ذلك، والاستغاثة هي: طلب الغوث وهو دعاء مشتمل على ذلك، وهكذا في كل ما فيه طلب نقول: إنه دعاء، وإذا كان دعاء فإنه يكون عبادة، والعبادة حق لله وحده دون من سواه، كما قام الإجماع على هذا، ودلت النصوص عليه، كقوله سبحانه: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن/18) ، وكقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء/23) ، وكقوله: أيضا: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء/36) ، إذًا: فكل فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال فيه طلب: يكون عبادة؛ لأنه دعاء؛ وكل طلب: فهو دعاء.

والطلب يختلف نوعه ومسماه باختلاف المطلوب منه: فإذا كان الطلب من مقارن: فيسمى التماسا، وإذا كان ممن هو دونك: فيسمى أمرا، وإذا كان ممن هو أعلى منك: فيسمى دعاء.

والمستعيذ والمستغيث، لا شك أنه طالب ممن هو أعلى منه؛ لحاجته إليه؛ فلهذا يصح أن يكون كل دليل فيه ذكر إفراد الله جل وعلا بالدعاء أو بالعبادة، دليلا على خصوص هذه المسألة، وهي: أن الاستعاذة من العبادات العظيمة، وإذ كانت كذلك، فإن إفراد الله بها واجب. [1]

قال الله سبحانه وتعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف/200) ، وقال سبحانه: (فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل/ 98) ، وقال سبحانه: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) (مريم/18) ، وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (غافر/56) .

وقال صلى الله عليه واله وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) . [2]

قال الشيخ علوي بن عبد القادر السَّقَّاف: (أن أسماء الله عَزَّ وجَلَّ وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها، لكن تختلف في التعبد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فنقول: عبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول: عبد الكرم، وعبد الرحمة، وعبد العزة؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، ويا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! الطف بنا، لكن لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو: يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف؛ فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفةٌ لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى:(يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور/55) ، وقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر/60 ) ) . [3]

(1) التمهيد لشرح كتاب التوحيد/ الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، الناشر دار التوحيد، الطبعة الأولى، 1424 هـ - 2003 م، ص 167 - 168.

(2) رواه الشيخان والامام احمد في المسند والترمذي عن سليمان بن صرد، ورواه الامام احمد في المسند وابو داود والترمذي عن معاذ، وقال الشيخ الألباني: (صحيح) ، وانظر الحديث/2491 في صحيح الجامع الصغير وزيادته.

(3) صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة - الاصدار 3.13.

قلت: ينبغي هنا أن نفرق بين دعاء الصفة وبين دعاء الله بصفة من صفاته؛ كأن تقول: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فهذا جائز، فقد روى الترمذي عن أنس: (كان إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) ، قال الشيخ الألباني: حسن، وانظر الحديث/4777 في صحيح الجامع والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت