فهرس الكتاب
القاعدة الثالثة عشر
الأسماء التي تطلق على الله تعالى وعلى العبد
قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها، فقالت طائفة من المتكلمين:
هي حقيقة في العبد، مجاز في الرب، وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادا. الثاني مقابله وهو: أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، وهذا قول أبي العباس الناشئ. [1]
الثالث: أنها حقيقة فيهما.
وهذا قول الأكثرين، وهو الصواب. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به. وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال، وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر. [2]
قلت:
قال الشيخ ابن عثيمين: (واعلم أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، كما دل على ذلك السمع، والعقل، والحس.
أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء/58) . وقال عن الإنسان: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (الإنسان/2) . ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى/11) .
وأثبت لنفسه علمًا وللإنسان علمًا، فقال عن نفسه: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ) (البقرة/235) وقال عن الإنسان: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة/10) . وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الأنعام/80) . وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران/5) . وقال عن علم الإنسان: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء/85) .
وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه.
ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.
وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسمًا وقدمًا وقوة، وللبعوضة جسمًا وقدمًا وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.
(1) هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن شرشير الانباري، من كبار المتكلمين ت (293) . انظر غير مأمور: تاريخ بغداد 10/ 92، والسير 14/ 40.
(2) بدائع الفوائد - 1/ ص 289 - 290.