فهرس الكتاب
585 ولي قضاء الجماعة بالسوس الأقصى نيفا و ثلاثين سنة، فأحسن السيرة، و جمع كلمة الهدى، و أغلظ على أهل الجرأة و العدى، و أجرى الحكومة على السنن القويم في القضاء، و أوضح بقطره طريقته على نهج من مضى، و أحيا المروءة و أقام شرائطها، و نشر الحكمة و أغبط لاقطها، و شد العدل و رمّ دارسه، و سد فم الهوى ورد ضارسه.
و لما عزم عليه سلطان وقته بولاية القضاء استشار في ذلك شيخ الإمام العالم الصدر الكبير محمد بن مهدي نزيل درعة، فكتب إليه: لا حيلة يشير بها عليك أخوك إلا الاعتماد على اللّه و التوكل عليه، و اتخاذ الشهود الصالحين، و اتباع طريقة السلف الصالح، و الاستعداد للموت، انتهى.
[459] حضرت دروسه، و انتفعت به فيمختصر الفروعلابن الحاجب، /و الشيخ خليل، و التفسير، و العربية، وتنقيحالقرافي، و كتابالتذكير. و تجري في مجلسه نكت غزيرة، و ملح مفيدة، و حكايات و نوادر، قلّ أن توجد مع غيره. و قيدت عنه في الفتاوي تقاييد، و جمع من أجوبته كراريس حسنة. و له عطف زائد عام على طلبة العلم بتوسعة العطاء من الأحباس و غيرهم من الناس.
و كان-رضي اللّه عنه-من الزهد و الورع بمكان، حتى إنه لا يجري على يديه شيء من الدنيا و أسبابها، ثم مع ذلك ندم في مرض وفاته أشد الندم على ولاية القضاء. و يقول:
أكل [السم] أولى لي منها.
و له-رضي اللّه عنه-مكاشفات و فراسات صادقة، كاشف نائبه الفقيه أحمد بن مسعود يوما في نازلة عزم النائب على تنفيذ الحكم، فبعث إليه في الحين، فجاءه، و فتح الشيخ كتابا بين يديه، و قرأ منه عين الحكم في النازلة، و لم يقرأ ما قبله و لا ما بعده، و ما قال له شيئا إلا ما سرد له، ثم قال له: أنفذ الحكم بما أملي عليك، و كان النائب عزم على خلاف ذلك. و فوائده رحمه اللّه كثيرة.
ولد سنة ثلاث عشرة و تسعمائة، و توفي رحمه اللّه ليلة الاثنين لثمان عشرة خلت من صفر سنة إحدى و ألف، و دفن بباب الخميس. و ريء بعد موته، فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ فقال: غفر لي بحبي أهل البيت، و كان يعظمهم.
و وجد في تركته كتاب بخط مشرقي لم يعلم به أحد إلا بعد وفاته، و نصه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه وحده، إليه يرجع الأمر كله، و صلى اللّه على من لا نبي بعده، م، س، ن: الشيح.