(نعم لقد كانت السابقة في تحقيق هذا الفضل لصنيع قدمته والدتي - رحمها الله - وهو أنها كانت لا يعيش لها الذكور من أولادها فقامت بشراء نسخة من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري - رحمه الله - وأوقفتها باسمي على المشاركين في ختم الصحيح الجامع في أشهر رجب وشعبان ورمضان من كل عام فوهب الله لها من لدنه هذا العبد الفقير إلى نواله منة منه سبحانه، فنشأت بناشئة الفضل محبا للعلم، ساعيا إلى تحصيله، عاكفا على تلقيه وأخذه من أربابه منذ نعومة أظفاري، فلم يكن يشغلني ما يشغل الأطفال في الصغر حتى في مرحلة دراستي كان الهم والاهتمام بالعلوم الشرعية فلزمت مجالس والدي - رحمه الله - ملقيا الرسن في بابه والصماخ إلى عذب خطابه، وكان - رحمه الله - لا يضن عليّ بما ندُر من الكتب وعزّ من الأمهات التي وجدت فيها بغية الطالب وبلغة القاصد، فكان رحمه الله عمدتي من بعد الله ورسوله في ترسم سبيل القصد في تحصيل العلوم الشرعية.
وقد خاطبني رحمه الله تعالى وأنا في إحدى سنيّ الطلب بقوله نظمًا:
أقر الله عيني يا محمدا بتوفيق لشخصك في الأنام
ودمت بصحةٍ دنيا و دينًا يحالفك النجاح بلا انصرام
ولا زلت المقدم في البرايا بحب الله والهادي التهامي
ولقد دفعني والدي إلى إلقاء خطبة الجمعة في عدة مساجد وأنا ابن ست عشرة سنة، وكنت شديد العناية بكل ما يصقل أدائي في هذا الدور العظيم الذي أنيط بي وأنا في هذه السن المبكرة