امتحان له إزاء العاصمة الحقيقية للإمبراطورية ومجموع المغرب الشمالي، منذ انطلاق حكمه الفردي وتوجهاته الإصلاحية. لم يكن الاختبار يسيرا فالحوز، أي المغرب الجنوبي، منطقة هادئة تشكل سهولها الفسيحة القاعدة الرئيسية لبلاد المخزن، بينما ساكنة الغرب الجبلية أكثر شراسة. لقد ظلت فاس تصنف، منذ القدم، كمدينة معارضة، وباستثناء أحوازها الغربية فجهتها منغرسة، إلى هذا الحد أو ذاك، في بلاد السيبة.
«بدأ الناس يتحدثون، في فاس، خلال الصيف الماضي، عن شريف يجول الأسواق المحيطة بواد إيناون، شرق العاصمة، لمصالحة القبائل بعضها مع بعض. وعرفت الفترة ذاتها تردد أخبار حول اتفاق أعيان البربر وجبالة على رفض إصلاح الحكومة الضريبي، وإقدامهم على تبادل السلاهم. وإذا كان هذا العُرف الأمازيغي مؤشرا على عقد تحالفات قبلية، فإنه جسد إشارة مقلقة بالنسبة للمخزن، خاصة وهذا الأخير ضعيف أصلا ولا يستمد عوامل صموده إلا من انقسامات القبائل. لم تولد هذه الأعراض المنذرة بالخطر الاهتمام في البداية، غير أن الفتنة انتشرت.
«ها هي فخدة من قبيلة آيت يوسي المستقرة في الجبل بناحية صفرو، على بعد ساعات من فاس فقط، تنهب قصبة القائد! وها قبيلتا كَروان وزمور ترفعان، في المنطقة الوعرة الواقعة على الحدود الغربية لسهل سايس، راية العصيان أيضا وتخربان وتسلبان سوق مكناس! عدم الاستقرار كان سمة الوضع إذن، مع توسعه وزحفه، رويدا رويدا، على ضواحي فاس.
«ومع ذلك، لم تكن الحالة وليدة تواطؤ جلي المعالم بين مختلف هذه الحركات لأن القبائل مستقلة عن بعضها البعض، مثلما هي مستقلة عن المخزن. وحين يحصل تقارب بينها، فالسر يكمن في إبرام تحالفات محلية