وهكذا فإن الذاكرة لا تسعف الكاتب بمادة خام بقدر ما تهيئ له نموذجا مبنينا يتلبس طيه الوجود المادي الأمبريقي بالوجود العاطفي والرمزي، مما يفيد بأن عملية التنصيص ستشمل عالمين متعالقين ومختلطين، عالم مرجعي صرف سيخضع للمعالجة ثم التجاوز. وعالم خيالي سيتم تحققه عبر الأوعية الشكلية والمصافي الأجناسية المختارة لحظة الكتابة.
ومن ثمة، يتلون فعل التذكر بالأهواء والتحيزات والافتراضات والأوهام التي تطفو على السطح وكأنها بديهات وقعت فعلا، فتنمحي التخوم بين الماضي وما انتسجه الخيال لتسريح القابع والمسكوت عنه والمحلوم به.
3 -إن الذاكرة، إذن، ذاكرات متساوقة ومتقاطعة يمكن إرجاعها إلى أصناف وأنماط كالتالي:
* ذاكرة الجسد والحواس (المسموع والمرئي والملموس) ؛
* ذاكرة الرغبة وما يتمخض عنها من أحلام وأحلام يقظة تخترق رتابة اليومي وخطية الزمن؛
* ذاكرة الإخفاقات والكوابيس والمخاوف والوساوس والهواجس؛
* ذاكرة العادات السرية والجزئيات المنسية واللحظات الميتة؛
* ذاكرة اللغة والمقروء والمكتوب ومختلف أنواع الخطاب؛
* ذاكرة الطقوس وآداب السلوك والمعتقدات والرموز؛
* ذاكرة الوقائع والظواهر التي تنتمي إلى التاريخ أو الأسطورة أو الموروث الشعبي؛
* ذاكرة اللغات الهامشية التي تغطي مساحات خارج دائرة المسموح به والمعتبر ... إلخ.