أصيب القطب السوسي بصفة عامة والمدرسة العتيقة بصفة خاصة بوفاة العلامة سيدي الحاج محمد بن البشير الناصري الإفراني، فهو رحمه الله مثال للسلوك الحسن، والقدوة المثالية، والنهج القويم، المؤشر على سماحة الشريعة الإسلامية وعالميتها، محبوب لدى الخاص والعام، يثني عليه الكل ويتودد إليه، رغم أنه لا يتملق أحدا ولا يرجو منه نفعا ولا يخاف منه ضرا، فهو رحمه الله صادق التوكل على الله دائم الإستعانة به حسب مانراه منه ونسمعه عليه.
وقد أكرمني الله بالإتصال به وتكرار الزيارة إليه، فرأيت منه ما حبببه إلي من العلم الغزير والخلق القويم والكرم الحاتمي، فكان نطقه حكمة، وسكوته تأملا، يقل الكلام، وإذا تكلم أحسن التعقيب والتعليق على كل ماقيل.
كان يقوم الليل ويكثر من تلاوة القرآن، ويخفف الصلاة، وكان يترأس الحفل الديني النبوي الذي يقام في داره ويبدأ بنفسه قصائد المدح للحاضرين، كان كريما مضيافا يحب طلبة العلم ويؤويهم إلى داره ويفيض عليهم من علمه وماله، ذو همة عالية، عزوف عن الدنيا وزخارفها، طلقها طلاقا لا رجعة فيه، رغم أنها تتلهف على أن تحظى بنظرة منه، لكنه لم يلتفت إليها، وقد عوضه الله عن الأبناء بالذين يحبون الخير فتسابقوا إلى خدمته والفوز برضاه فنالوا بذلك رضا الله ورضا الناس.
والمرحوم مثال ساطع لما تخرجه المدارس العتيقة من علماء متمكين مقتدرين يحيطون علما بكل ما يخدمون به البلاد والعباد، ومن راجع ترجمته في المعسول الجزء العاشر صفحة 70 وما بعدها، يجد ما حلاه به مؤرخ سوس العلامة محمد المختار السوسي، وهو من أقرب الناس إليه، حقيقة واقعة لا غبار عليها.