إلى الضريح، صاعدين إليه من طريق باب الزهر (أو باب الحجر، كما تقول العامة) ، أو من طريق"عين الرجال". وكلما ازدادوا صعودا ازداد اشتياقهم حتى يرتووا من ماء خصته، وهم يستمعون إلى تلاوة القرآن الكريم أو دلائل الخيرات أو الأمداح النبوية. وكانت الروائح الطيبة تعبق من جنبات الضريح. وفي بعض الأوقات يصادفون أحد علماء المدينة من آل البيت أو غيرهم وهو يلقي درسا علميا أو يعظ الحاضرين. وفي صفاء هذا الجو الروحي الممتع، مرت الأيام والسنون، وتعاقبت الأجيال تلو الأجيال.
اكتمل بناء الزاوية، وتوفرت فيها شروط الحياة الحضرية بأكمل مظاهرها، ما بين القرنين 12 و13 هجرية (18 و19 ميلادية) . وكان المحرك الأساس هي الأحباس التي استثمرت الأموال المحصلة من مداخيل الأملاك المحبسة من طرف المحسنين على الضريح ومسجده والمؤسسات التابعة له، وكذلك من الاعتمادات الممنوحة لها بأوامر مولوية، قصد إنجاز أشغال معينة ذات مصلحة. ومن ذلك إنجاز ثلاثة فنادق عتيقة لإيواء الزوار، وحمامين، و"القاعة" (وهي بناية مخصصة لبيع الزيت) ، و"الرحبة" (المخصصة لبيع الحبوب) ، وعدد من الأفرنة، ومطاحن الحبوب، والدكاكين التجارية. وكان للأحباس حق الجزاء في أغلب الدكاكين التي يملكها الخواص والمشيدة فوق أرض حبسية، وقدره الثلث. كما عملت الأحباس على بناء المساجد في القرى وتشجيع حفظ القرآن، خصوصا عندما بلغ عدد سكان زرهون في تلك الفترة حوالي خمسة آلاف نسمة، منهم ما يقرب من ألف يقطنون بالزاوية بما فيهم الزوار.