فهرس الكتاب

الصفحة 9991 من 29568

لا مقدمًا ولا مؤخرا. ثم أكمل الخطبة قافية آخر آية منها. فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ما قرأ القراء آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك، فكيف ينتظمها مرتجلًا، ويورد الخطبة الغراء بها عجلًا!"اَفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون" [سورة الطور، الآية: 15] ، و"إن هذا لهو الفضل المبين" [النمل، الآية: 16] فحدث ولا حرج عن البحر، وهيهات ليس الخبَر عنه كالخُبْر .. ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقًا، وذابت بها الأنفس احتراقًا، إلى أن علا الضجيج، وتردد بشهقائه النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقي ناصيته بيده فيجزها، ويمسح على رأسه داعيًا له، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه، فشاهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة، فلو لم تركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل، لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناجحة، والحمد لله على أن منّ بلقاء من تشهد الجمادات بفضله، ويضيق الوجود عن مثله ... ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق، بديعة الترقيق، تشعل القلوب وجدًا، ويعود موضعها النسيبي زهدا. وكان آخر ما أنشده من ذلك، وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام، وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام:

أين فؤادي أذابه الوجد ... وأين قلبي فما صحا بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت