الصفحة 130 من 163

(أن الله تعالى لم يخلق شيئا يكون شرا محضا من كل وجه، لا خير فيه بوجه من الوجوه، فإن هذا ليس في الحكمة، بل ذلك لا يكون إلا عدما محضا، والعدم ليس بشيء، والوجود إما محض، إما أن يكون فيه خير من وجه وشر من وجه، فأما أن يكون شرا من كل وجه، فهذا ممتنع، ولكن قد يظهر ما فيه من الشر ويخفى ما في خلقه من الخير، ولهذا قال تعالى للملائكة وقد سألوا عن خلق هذا القسم فقالوا:(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) (البقرة 30) ، فإذا كانت الملائكة، مع قربهم من الله وعلمهم بأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه، لم يعلم حكمته سبحانه في خلق من يفسد كما يعلمها الله، بل هو سبحانه متفرد بالعلم الذي لا يعلمونه، فالبشر أولى بأن لا يعلموا ذلك، فالخير كله في يدي الرب، والشر ليس إليه، فلا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإن دخل في مفعولاته بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا الأول دخولا إضافيا، وأما الخير فهو داخل في أسمائه وصفاته وأفعاله ومفعولاته بالذات والقصد الأول، فالشر إنما يضاف له مفعول لا فعله، وفعله خير محض، وهذا من معاني أسمائه المقدسة، كالقدوس والسلام والمتكبر، فالقدوس الذي تقدس عن كل عيب، وكذلك السلام، وكذلك المتكبر، قال ميمون بن مهران: تكبر عن السوء والسيئات، فلا يصدر منه إلا الخيرات، والخيرات كلها منه، فهو الذي يأتي بالحسنات ويذهب بالسيئات، ويصلح الفاسد ولا يفسد الصالح، بل ما أفسد إلا فاسدا، وإن كان الظاهر الذي يبدو للناس صالحا فهو يعلم منه ما لا يعلم عباده.

والمقصود أنها الإعدام ولوازمها: فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وسيئات الأعمال وسيئات الجزاء، وهي مترتبة على عدم الإيمان والطاعة وموجباتها، فإذا أراد الله بعبده الخير أراد من نفسه سبحانه أن يوفقه له ويعينه عليه، فيوجد منه فيترتب عليه من الأمور الوجودية ما فيه صلاحه وسعادته، فإذا لم يرد به خيرا لم يرد من نفسه أن يعينه ويوفقه، فيبقى مستمرا على عدم الخير الذي هو الأصل، فيترتب على هذا العدم فقد الخير وأسبابه، وذلك هو الشر والألم، فإذا بقيت النفس على عدم كمالها الأصلي وهي متحركة بالذات لم تخلق ساكنة؛ تحركت في أسباب مضارتها وألمها، فتعاقب بخلق أمور وجودية، يريد الله سبحانه تكوينها عدلا منه في هذه النفس وعقوبة لها، وذلك خير من جهة كونه عدلا وحكمة وعبرة وإن كان شرا بالإضافة إلى المعذب والمعاقب، فلم يخلق الله سبحانه شرا مطلقا بل الذي خلقه من ذلك خير في نفسه وحكمة وعدل، وهو شر نسبي إضافي في حق من أصابه، كما إذا أنزل المطر والثلج والرياح وأطلع الشمس كانت هذه خيرات في نفسها وحكم ومصالح، وإن كانت شرا نسبيا إضافيا في حق من تضرر بها.

وبالجملة فالكلمة الجامعة لهذا هي الكلمة التي أثنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه حيث يقول: (والشر ليس إليك) ، فالشر لا يضاف إلى من الخير بيديه، وإنما ينسب إلى المخلوق، كقوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق ? من شر ما خلق) (الفلق 1 - 2) ، فأمره أن يستعيذ به من الشر الذي في المخلوق، فهو الذي يعيذ منه وينجي منه، وإذا أخلى العبد قلبه من محبته والإنابة إليه، وطلب مرضاته، وأخلى لسانه من ذكره والثناء عليه، وجوارحه من شكره وطاعته، فلم يرد من نفسه ذلك ونسي ربه، لم يرد الله سبحانه أن يعيذه من ذلك ونسيه كما نسيه، وقطع الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده، قال تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) (الحج 37) ، فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه، وقد صرح سبحانه بهذا المعنى بعينه في قوله تعالى: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (الأنعام 110) ، أي نخلي بينهم وبين نفوسهم التي ليس لهم منها إلا الظلم والجهل، وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر 19) ، وقال تعالى: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) (المائدة 41) ، فعدم إرادته تطهيرهم، وتخليته بينهم وبين نفوسهم أوجب لهم من الشر ما أوجبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت