فهرس الكتاب
وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْمُحْتَجِّينَ بِمَا تَقَدَّمَ: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} (الزخرف: 24) ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} (البقرة: 170) ، فَقَالَ تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (لقمان: 21) ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَعَلَامَةُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ أَنْ يَرُدَّ خِلَافَ مَذْهَبِهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ شُبْهَةِ دَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ أَوْ إِجْمَالِيٍّ، وَيَتَعَصَّبُ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ؛ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ عَيْنُ اتِّبَاعِ الْهَوَى، فَهُوَ الْمَذْمُومُ حَقًّا، وَعَلَيْهِ يَحْصُلُ الْإِثْمُ. فَإِنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَرْشِدًا مَالَ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ وَجَدَهُ، وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَهُوَ الْمُعْتَادُ فِي طَالِبِ الْحَقِّ، وَلِذَلِكَ بَادَرَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - حِينَ تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنِ الْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْمُتَعَصِّبِينَ، لَكِنَّهُ عَمِلَ بِهَا:
-فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ مُعَذَّبُونَ عَلَى الْإِطْلَاقِ [1] إِذَا اتَّبَعُوا مَنِ اخْتَرَعَ مِنْهُمْ، فَالْمُتَّبِعُونَ لِلْمُبْتَدَعِ إِذَا لَمْ يَجِدُوا مُحِقًّا مُؤَاخَذُونَ أَيْضًا.
-وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُبْعَثَ لَهُمُ الرَّسُولُ وَإِنْ عَمِلُوا بِالْكُفْرِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُؤَاخَذُونَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُحِقٌّ [2] .
(1) الصواب أنهم يُمتحنون في عرصات يوم القيامة، نطقت بذلك النصوص الصريحة.
(2) إعذار المبتدع الجاهل الذي يشبه أهل الفترة هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.