الصفحة 112 من 441

لِرَأْيهِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا النَّظَرُ فِي أَدِلَّةٍ جُمْلِيَّةٍ لَا تَفْصِيلِيَّةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ التَّفْصِيلِيَّةَ أَبْلَغُ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْجُمْلِيَّةِ، فَتَكُونُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْوِزْرِ بِمِقْدَارِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ.

* وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْرَارِ وَالْإِعْلَانِ: فَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُسِرَّ بِهَا ضَرَرُهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ، لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَعَلَى أَيِّ صُورَةٍ فُرِضَتِ الْبِدْعَةُ مِنْ كَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً، هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِ حُكْمِهَا. فَإِذَا أَعْلَنَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَدْعُ إِلَيْهَا فَإِعْلَانُهُ بِهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ. فَانْضَمَّ إِلَى وِزْرِ الْعَمَلِ بِهَا وِزْرُ نَصْبِهَا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ فِيهَا، وَالْوِزْرُ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ بِلَا إِشْكَالٍ.

وَمِثَالُهُ مَا حَكَى الطَّرْطُوشِيُّ فِي أَصْلِ الْقِيَامِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ: قَالَ: «لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ هَذِهِ الَّتِي تُصَلَّى فِي رَجَبَ وَشَعْبَانَ، وَأَوَّلُ مَا أُحْدِثَتْ عِنْدَنَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ يُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْحَمْرَاءِ، وَكَانَ حَسَنَ التِّلَاوَةِ، فَقَامَ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَأَحْرَمَ خَلْفَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ انْضَافَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ وَرَابِعٌ، فَمَا خَتَمَهَا إِلَّا وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ كَبِيرَةٍ.

ثُمَّ جَاءَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، فَصَلَّى مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَشَاعَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَانْتَشَرَتِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَبُيُوتِ النَّاسِ وَمَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ كَأَنَّهَا سُنَّةٌ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا». فَقُلْتُ لَهُ: فَرَأَيْتُكَ تُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ! وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهَا» .

* وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهَا وَعَدَمِهَا: فَظَاهَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الدَّاعِي وَإِنْ كَانَ عُرْضَةً بِالِاقْتِدَاءِ فَقَدْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ خَامِلَ الذِّكْرِ، وَقَدْ يَكُونُ مُشْتَهِرًا وَلَا يُقْتَدَى بِهِ، لِشُهْرَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةً مِنْهُ.

وَأَمَّا إِذَا دَعَا إِلَيْهَا؛ فَمَظِنَّةُ الِاقْتِدَاءِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، وَلَاسِيَّمَا الْمُبْتَدَعِ اللَّسِنِ الْفَصِيحِ الْآخِذِ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ، إِذَا أَخَذَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَأَدْلَى بِشُبْهَتِهِ الَّتِي تُدَاخِلُ الْقَلْبَ بِزُخْرُفِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت