فهرس الكتاب
وَعَلَى ذَلِكَ تَرْكُ الْتِزَامِ السَّلَفِ لِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَوْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا لَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ قَدْ نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ نَدْبًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ فِي تَكْثِيرِ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا طَلَبَ مِنَ التَّكْثِيرِ مِنَ الذِّكْرِ؛ كَقَوْلِهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الأحزاب: 41 - 42) ، وَقَوْلِهِ تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة: 10) ؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَمِثْلُ هَذَا الدُّعَاءُ؛ فَإِنَّهُ ذِكْرُ اللهِ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا فِيهِ كَيْفِيَّاتٍ، وَلَا قَيَّدُوهُ بِأَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ ـ بِحَيْثُ تَشْعُرُ بِاخْتِصَاصِ التَّعَبُّدِ بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ، إِلَّا مَا عَيَّنَهُ الدَّلِيلُ؛ كَالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. وَلَا أَظْهَرُوا مِنْهُ إِلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى إِظْهَارِهِ؛ كَالذِّكْرِ فِي الْعِيدَيْنِ وَشِبَهِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَكَانُوا مُثَابِرِينَ عَلَى إِخْفَائِهِ وَسِرِّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - حِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ: «أَيّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا؛ إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» [1] (رواه البخاري ومسلم) ، وَلِمَ يُظْهِرُوهُ فِي الْجَمَاعَاتِ.
فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ؛ فَقَدْ خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ بِالرَّأْيِ، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ ـ وَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ - رضي الله عنهم - ـ، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَوْفًا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِجَوَازِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ فِي مَدْلُولِهِ وُقُوعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ خُصُوصًا فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّعَبُّدِ عَلَى حَسَبِ مَا تَلَّقَى
(1) (اِرْبَعُوا) : بِهَمْزَةِ وَصْل وَبِفَتْحِ الْبَاء، مَعْنَاهُ: اُرْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ، وَاخْفِضُوا أَصْوَاتكُمْ، فَإِنَّ رَفْع الصَّوْت إِنَّمَا يَفْعَلهُ الْإِنْسَان لِبُعْدِ مَنْ يُخَاطِبهُ لِيَسْمَعهُ وَأَنْتُمْ تَدْعُونَ اللهَ تَعَالَى، لَيْسَ هُوَ بِأَصَمَّ وَلَا غَائِب، بَلْ هُوَ سَمِيع قَرِيب.