فهرس الكتاب
وَوَرَاءَ هَذَا تَوَاجُدٌ لَا عَنْ وَجْدٍ، فَهُوَ مَنَاطُ الذَّمِّ؛ لِمُخَالَفَةِ مَا ظَهَرَ لِمَا بَطَنَ، وَقَدْ يَعْزُبُ فِيهِ الْأَمْرُ عِنْدَ الْقَصْدِ إِلَى اسْتِنْهَاضِ الْعَزَائِمِ وَإِعْمَالِ الْحَرَكَةِ فِي يَقَظَةِ الْقَلْبِ النَّائِمِ.
وَلَكِنْ شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا مَنْ دَعَا طَائِفَةً إِلَى مَنْزِلِهِ؛ فَتُجَابُ دَعْوَتُهُ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ. فَهَذَا مَا ظَهَرَ تَقْيِيدُهُ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» انْتَهَى مَا قَيَّدَهُ.
تَعْلِيقُ الإمَامِ الشَّاطِبِيِّ عَلَى الفَتْوَى السَابِقَة:
أولًا: مَجَالِسِ الذِّكْرِ:
مَا ذَكَرَهُ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ صَحِيحٌِ إِذَا كَانَ عَلَى حَسَبِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ لِتُدَارِسِ الْقُرْآنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَتَعَلَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَأْخُذَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَهُوَ مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الَّتِي جَاءَ فِي مِثْلِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (رواه مسلم) ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ - رضي الله عنه - مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ كَلَامِ اللهِ - عز وجل -.
ثَانِيًا: الِاجْتِمَاعُ عَلَى الذِّكْرِ:
وَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الذِّكْرِ صَحِيحٌِ؛ فَإِنَّهُ اجْتِمَاعٌ عَلَى ذِكْرِ اللهِ، فَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (رواه مسلم) . لَا الِاجْتِمَاعُ لِلذِّكْرِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ [1] .
(1) أي أنّ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الذِّكْرِ صَحِيحٌِ؛ ولكن الِاجْتِمَاعُ لِلذِّكْرِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ غير صحيح.
الذكر عبادة والعبادات توقيفية لا مجال للابتداع فيها أو للاستحسان، فلا يجوز التقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه. والذكر من أفضل العبادات، وهو مأمور به شرعًا كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الأحزاب: 41 - 42) .
فالمسلم مُطَالَبٌ بذكر الله تعالى في كل وقت بقلبه ولسانه وجوارحه، لكن ينبغي للمسلم أن يكون في ذكره لله تعالى ملتزمًا بحدود الشريعة ونصوصها وهدي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، لأن الاتباع شرط لصحة العمل.
الذكر الجماعي: هو ما يفعله بعض الناس من الاجتماع في أدبار الصلوات المكتوبة أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليردّدُوا بصوت جماعي أذكارًا وأدعيةً وأورادًا وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية وبصوت واحد.
والذكر الجماعي لم يأمر به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا حث عليه، ولو أمر به أو حث عليه لنُقل ذلك؛ وكذلك لم يُنقَل عنه الاجتماع للدعاء بعد الصلاة مع أصحابه. وقد أنكره من الصحابة عمر بن الخطاب وعبد اللهِ بن مسعود وخباب بن الأرت - رضي الله عنهم -.
ومن مفاسد الذكر الجماعي:
* مخالفة هدي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.
* التشويش على المصلين.
* في هذا الذكر بصوت واحد تَشَبُّه بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية بصوت واحد.
الاجتماع على الذكر غير الذكر الجماعي:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً» (رواه أبو داود، وحسّنه الألباني) .
قد يفهم البعض من هذا الحديث استحباب الذكر الجماعي، وليس هذا بصحيح، وإنما فيه استحباب الاجتماع على الذكر، بمعنى أن يُعِينَ بعضنا بعضًا عليه بالتواجد في مكان واحد، ويوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما طبّق ذلك عمليًّا لم يكن يذْكُر الله - عز وجل - مع أصحابه ذكرا جماعيًا، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا (رواه مسلم) . (حَسَنًا) : أَيْ مُرْتَفِعَةً، ورواه أبو داود بلفظ: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ» (وصحّحه الألباني) .
وفي رواية لمسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي الله عنه: «أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟» ، قَالَ: «نَعَمْ، كَثِيرًا. كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ - صلى الله عليه وآله وسلم -» .فكان - صلى الله عليه وآله وسلم - يذكر الله - عز وجل - ولم يكن الصحابة - رضي الله عنه - يرددون خلفه أومعه - صلى الله عليه وآله وسلم -.
ويكون فائدة الاجتماع عندئذ أنه أنشط للنفس لكونها مجبولة على التأسي، كما قالت الخنساء:
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي ... عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي
[راجع كتاب (الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع) للدكتور محمد عبد الرحمن الخميس] .