الصفحة 171 من 441

وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كَلَامٍ آخَرَ؛ إِذْ سُئِلَ عَنْ ذِكْرِ فُقَرَاءِ زَمَانِنَا؟ فَأَجَابَ [1] بِأَنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ الْمَذْكُورَةَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ؛ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُتْلَى فِيهَا الْقُرْآنُ، وَالَّتِي يُتَعَلَّمُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالدِّينُ، وَالَّتِي تَعْمُرُ بِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ بِالْآخِرَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ كَمَجَالِسِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَأَضْرَابِهِمْ.

أَمَّا مَجَالِسُ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ فَقَدْ صُرِّحَ بِهَا فِي حَدِيثِ الْمَلَائِكَةِ السَّيَّاحِينَ [2] ، لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ جَهْرٌ بِالْكَلِمَاتِ، وَلَا رَفْعُ أَصْوَاتٍ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، لَكِنَّ الْأَصْلَ الْمَشْرُوعَ إِعْلَانُ الْفَرَائِضِ وَإِخْفَاءُ النَّوَافِلِ، وَأَتَى بِقَوْلِهِ تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} (مريم: 3) ، وَبِحَدِيثِ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (رواه البخاري ومسلم) .

قَالَ: «وَفُقَرَاءُ الْوَقْتِ قَدْ تَخَيَّرُوا أَوْقَاتًا وَتَمَيَّزُوا بِأَصْوَاتٍ هِيَ إِلَى الِاعْتِدَاءِ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى الِاقْتِدَاءِ، وَطَرِيقَتُهُمْ إِلَى اتِّخَاذِهَا مَأْكَلَةً وَصِنَاعَةً أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى اعْتِدَادِهَا قُرْبَةً وَطَاعَةً» [3] . انْتَهَى مَعْنَاهُ عَلَى اخْتِصَارِ أَكْثَرِ الشَّوَاهِدِ.

وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَتْوَاهُ الْمُحْتَجَّ بِهَا لَيْسَ مَعْنَاهَا مَا رَامَ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعَةُ [4] ؛ فَإِنَّهُ سُئِلَ فِي هَذِهِ عَنْ فُقَرَاءِ الْوَقْتِ، فَأَجَابَ بِذَمِّهِمْ، وَأَنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَا يَتَنَاوَلُ

(1) أيْ الشيخ الذي أفتى بالفتوى السابقة التي حَسَّنَ السائل ظَاهِرَهَا بِحَيْثُ يَكَادُ بَاطِنُهَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِ الْمُتَأَمِّلِ، فَأَجَابَ الشيخ عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِهَا؛ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ.

(2) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَ: «إِنَّ لِلهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (رواه مسلم) . ورواه البخاري بلفظ: «إِنَّ لِلهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: «هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» ، قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (رواه البخاري) . (سَيَّارَةً) سَيَّاحُونَ فِي الْأَرْضِ. (فُضُلًا) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ زَائِدُونَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُرَتَّبِينَ مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لاوظيفة لهم وانما مَقْصُودُهُمْ حِلَقُ الذِّكْرِ. [انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (17/ 13) .

(3) القائل هو الشيخ الذي أفتى بالفتوى السابقة.

(4) رامَ الشَّيءَ: طلَبه، رغِب فيه، أرادَه ورجَاهُ. وَالمعنى أن ما نقله الإمام الشاطبي - رحمه الله - عن ذلك الشيخ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَتْوَاهُ التي احتج بِهَا هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعَةُ لَيْسَ مَعْنَاهَا مَا قصدوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت