الصفحة 179 من 441

صُدُورِنَا، وَلَا زَفَنَّا [1] ، وَلَا رَقَصْنَا»؛ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ؛ يَصْرُخُونَ عِنْدَ الْمَوَاعِظِ وَيَزْعَقُونَ وَيَتَغَاشَوْنَ.

وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ يَلْعَبُ بِهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَيُقَالُ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا: اعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَصْدَقُ النَّاسِ مَوْعِظَةً، وَأَنْصَحُ النَّاسَ لِأُمَّتِهِ، وَأَرِقُّ النَّاسِ قَلْبًا، وَخَيْرَ النَّاسِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ ـ لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ عَاقِلٌ ـ؛ مَا صَرَخُوا عِنْدَ مَوْعِظَتِهِ وَلَا زَعَقُوا وَلَا رَقَصُوا وَلَا زَفَنُوا، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا؛ لَكَانُوا أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا أَنْ يَفْعَلُوهُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَلَكِنَّهُ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ».

انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.

وَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ الْمُوجِبِ لِلتَّأَثُّرِ الظَّاهِرِ فِي السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ، فَوَجَدْنَا الْأَوَّلِينَ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْأَثَرُ بِسَبَبِ ذِكْرِ اللهِ، وَبِسَبَبِ سَمَاعِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَبِسَبَبِ رُؤْيَةٍ اعْتِبَارِيَّةٍ، وَلِسَبَبِ قِرَاءَةٍ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنْهُمْ ـ فِيمَا نَقَلَ الْعُلَمَاءُ ـ يَسْتَعْمِلُونَ التَّرَنُّمَ بِالْأَشْعَارِ لِتَرِقَّ نُفُوسُهُمْ فَتَتَأَثَّرُ ظَوَاهِرُهُمْ، وَطَائِفَةُ الْفُقَرَاءِ [2] عَلَى الضِّدِّ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ، فَلَا تَتَأَثَّرُ ظَوَاهِرُهُمْ، فَإِذَا قَامَ الْمُزَمِّرُ؛ تَسَابَقُوا إِلَى حَرَكَاتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ، فَبِالْحَرِيِّ أَلَّا يَتَأَثَّرُوا إلّا عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُبْتَدَعَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يُنْتِجُ إِلَّا حَقًّا؛ كَمَا أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُنْتِجُ إِلَّا بَاطِلًا.

وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَنْبَنِي النَّظَرُ فِي حَقِيقَةُ الرِّقَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ الْمُحَرِّكَةُ لِلظَّاهِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّقَّةَ ضِدُّ الْغِلَظِ، فَنَقُولُ: هَذَا رَقِيقٌ لَيْسَ بِغَلِيظٍ، وَمَكَانٌ رَقِيقٌ إِذَا كَانَ لَيِّنَ التُّرَابِ، وَضِدُّهُ الْغَلِيظُ، فَإِذَا وُصِفَ بِذَلِكَ الْقَلْبُ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى لِينِهِ وَتَأَثُّرِهِ، ضِدُّ الْقَسْوَةِ. وَيَشْعُرُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ

(1) زفن: رقص، ويقال: هم زَفّانَة حَفّانة، يرقصون و يجرفون الطعام.

(2) يقصد الْفُقَرَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، الذين تكلم عنهم في أول الكتابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت