الصفحة 200 من 441

فصل

الرَّدُّ عَلَى إِشْكَالِ

أَنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِالْتِزَامَاتِ

الَّتِي يَشُقُّ دَوَامُهَا مُعَارَضٌ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ

الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ:

إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِالْتِزَامَاتِ الَّتِي يَشُقُّ دَوَامُهَا مُعَارَضٌ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ: فَقَدَ «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَقُومُ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَوْ لَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَقُولُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» (رواه البخاري ومسلم) . وَيَظَلُّ الْيَوْمَ الطَّوِيلَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ صَائِمًا [1] . وَكَانَ - صلى الله عليه وآله وسلم - يُوَاصِلُ الصِّيَامَ (رواه البخاري ومسلم) . وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اجْتِهَادِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ.

وَفِي رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالتَّأَسِّي.

فَإِنَّ أَبَيْتُمْ هَذَا الدَّلِيلَ بِسَبَبِ أَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ ـ وَلِذَلِكَ كَانَ رَبُّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ ـ وَكَانَ يُطِيقُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا تُطِيقُهُ أُمَّتُهُ؛ فَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ: حَتَّى أَنْ بَعْضَهُمْ قَعَدَ مِنْ رِجْلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ التَّنَفّلِ. وَصَارَتْ جَبْهَةُ بَعْضِهِمْ كَرُكْبَةِ الْبَعِيرِ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ؟ وَجَاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ كُلَّهُ» . (أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من(سننه) ، وهو صحيح بمجموع طرقه).

(1) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه -، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إِلَّا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (رواه البخاري ومسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت