فهرس الكتاب
وَقَدْ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي أَعْمَالٍ يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَيْهَا وَلَا يَشُقُّ فِي الْحَالِ، فَيَغْتَنِمُ نَشَاطَهُ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ؛ غَيْرَ نَاظِرٍ فِيهَا فِيمَا يَأْتِي، وَيَكُونُ جَارِيًا فِيهِ عَلَى أَصْلِ رَفْعِ الْحَرَجِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْهُ؛ تَرَكَهُ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -؛ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُهُ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ» (رواه البخاري ومسلم) . فَتَأَمَّلُوا وَجْهَ اعْتِبَارِ النَّشَاطِ، وَالْفَرَاغِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ، أَوِ الْقُوَّةِ فِي الْأَعْمَالِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه - أنَّ عُمَرُ - رضي الله عنه - قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟» .
قَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ» - أَوْ قَالَ - «لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ» .
قَالَ: «كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟» .
قَالَ: «وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟» .
قَالَ: «كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟» .
قَالَ: «ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَام» .
قَالَ: «كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟» .
قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» [1] (رواه مسلم) .
فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» إِنَّمَا يُرِيدُ الْمُدَاوَمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُوَالِي الصِّيَامَ حَتَّى يَقُولُوا لَا يُفْطِرُ (رواه البخاري ومسلم) .
(1) (أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ: أُيْ جُعِلَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي قُدْرَتِي.