الصفحة 88 من 441

وَفِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَسْمَاءَ - رضي الله عنها -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: «أُمَّتِي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي» ، مَشَوْا الْقَهْقَرَى».

وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي غِمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهِ: «قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ» ، وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ؛ لَقَالَ: «قَدْ كَفَرُوا بَعْدَكَ» ، وَأَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ تَبْدِيلُ السُّنَّةِ، وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ.

ثَالِثُ عَشَر: الْخَوْفُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا: لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ؛ مِثْلَ: الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (الأنعام: 159) . وَقَوْلِهِ تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (آل عمران: 106) .

وَقَدْ حَكَمَ الْعُلَمَاءُ بِكُفْرِ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ كَالْبَاطِنِيَّةِ وَسِوَاهُمْ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِمَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّصَارَى فِي اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ [1] . وَالْعُلَمَاءُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ: هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا؟ فَكُلُّ عَاقِلٍ يَرْبَأُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خُطَّةِ خَسْفٍ كَهَذِهِ؛ بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ أَنْتَ كَافِرٌ أَمْ ضَالٌّ غَيْرُ كَافِرٍ؟ أَوْ يُقَالُ: إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا بِكُفْرِكَ، وَأَنْتَ حَلَالُ الدَّمِ.

رَابِعُ عَشَر: الْخَوْفُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ: لِأَنَّ صَاحِبَهَا مُرْتَكِبٌ إِثْمًا وَعَاصٍ للهِ تَعَالَى حَتْمًا، وَلَا نَقُولُ الْآنَ: هُوَ عَاصٍ بِالْكَبَائِرِ أَوْ بِالصَّغَائِرِ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ

(1) يريد النصارى باللاهوت الله تعالى أو كلمته، ويريدون بالناسوت عيسى ابن مريم - عليها السلام -، وقد زعموا حلول اللاهوت بالناسوت {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (النمل: 63) {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} (الإسراء: 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت