الصفحة 92 من 441

وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! مِنْ أَيْنَ أحْرِمُ؟» ، قَالَ: «مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -» ، فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ» . فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ» ، قَالَ: «فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ» [1] .

قَالَ: «لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ» ، فَقَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟! إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا» ، قَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟!، إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: 63) .

وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ - رحمه الله - تَفْسِيرُ الْآيَةِ هِيَ شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهَا بُنْيَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - دُونَ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ.

وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ: «لَقَدْ هُدِيتُمْ لِمَا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ نَبِيُّكُمْ! وَإِنَّكُمْ لَتُمْسِكُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ [2] » ؛ إِذْ مَرَّ بِقَوْمٍ كَانَ رَجُلٌ يَجْمَعُهُمْ، يَقُولُ: «رَحِمَ اللهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً: سُبْحَانَ اللهِ» ، فَيَقُولُ الْقَوْمُ. وَيَقُولُ: «رَحِمَ اللهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً: الْحَمْدُ للهِ» ، فَيَقُولُ الْقَوْمُ [3] .

(1) أي من عند قبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.

(2) الذَّنَبُ: الذَيْل، والمعنى أنه شَبَّهَ المبتدع المتمسك بضلالة البدع بأعمى متمسك بذيل دابة، فهي تسير به كيفما شاءت، فتارةً تجره إلى أرضٍ ذات شوك، وتارةً تطرحه في فلاة لا أنيس فيها ولا ساكن، ووجه الشَبَه السير إلى المهلكة في كُلِّ والتوغل في الضلالة.

(3) المعنى أن ابن مسعود - رضي الله عنه - مر على رجُلٍ يُلَقِّن الناس التسبيح والتحميد بالكيفية التي ذكرها فعَدَّ ذلك بدعة لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يكن يلقِّن أصحابَه - رضي الله عنهم - الذكرَ بهذه الكيفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت