فهرس الكتاب
كما راحوا يدرسون آفات هذه الحضارة وأعراضها، ويضعون الخطط والوصفات في محاولة لإنقاذها قبل الاحتضار بنقل دم جديد في عروق متصلبة!
وسنرى فيما يأتي مشاهد من الليل البهيم الذي يلف الحضارة الغربية، وترسم هذه المشاهد صرخات الحيرة والعبث والاستلاب والاغتراب التي يُطلقها الإنسان الغربي، كما ترسمها الصرخات المنذرة التي يطلقها المفكرون الذين يحاولون - ظنوا - محوَ الظلام بمصابيح خافتة، ناسين أو متناسين أن الظلام الحالك لا يكشفه إلا الفجر الساطع الذي بدأت طلائعه تتجلى في القلوب التي ملّت الظلام فأشرقت بنور الإسلام:
مَنْ كانَ يحملُ في جوانحِهِ الضُّحى ... هَانَتْ عليهِ أشعةُ المصباحِ [1]
إن مثل هؤلاء المصلحين كمثل الزّراع الذين أبصروا شجرة عليلة، فتوهموا أن منبع الفساد في بعض أغصانها، فراحوا يُضيّعون وقتهم في قطع هذه الأغصان، أو في طلائها بالألوان! إنهم لا يعلمون أن منبع الفساد في جذور هذه الشجرة! {وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [2] .
ورب ضارة نافعة، فهذا الليل الجاثم على صدر الغرب هو الذي حدا المهاجرين الجدد إلى الإسلام، والعسرُ مقدّمة اليسر، ومن رحم الظلام يولد الفجر! ولن تنبت الحبة إلا إذا دُفنت في التراب.
يقول الدكتور عبد الكريم بكار:"إن جزءًا من انتصار الإسلام لن يكون بالجري وراء العالم لإصلاحه، ولكن بعودة العالم إليه بعد انسداد السبل أمامه، وإن الوقت يعمل لصالح هذا الدين" [3] .
(1) بيت الشعر للشاعر بدوي الجبل.
(2) سورة الأعراف (58) .
(3) (مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي) د. عبد الكريم بكار (37) .