فهرس الكتاب
الباب الثاني والعشرون
ما جاء في حماية المصطفى - صلى الله عليه وسلم - جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
الجناب: هو الجانب، والمراد: حمايته عما يقرب إليه أو يخالطه من الشرك وأسبابه.
واعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئًا من حمايته - صلى الله عليه وسلم - لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته الخاصة، ولقد بالغ - صلى الله عليه وسلم - وحذر وأنذر وأبدأ وأعاد وخص وعمّ في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه الله بها.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: " ... ثم في مقابلة ذلك نهى عن أقوال وأفعال فيها الغلو ونهى عن التشبه بالمشركين، لأنه يدعو إلى الميل إليهم، ونهى عن أقوال وأفعال يخشى أن يتوصل بها إلى الشرك، كل ذلك حماية للتوحيد.
ونهى عن كل سبب يوصل إلى الشرك، وذلك حماية بالمؤمنين ليتحققوا بالقيام بما خلقوا له من عبودية الله الظاهرة والباطنة، وتكميلها لتكمل لهم السعادة والفلاح ". أ. هـ
وقول الله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} .التوبة (28)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
المعنى الإجمالي:
قال ابن كثير: " يقول الله تعالى ممتنًا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم - عليه السلام: {ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم} .
{لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي منكم.
{عزيز عليه ما عنتم} أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته، ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (بُعثت بالحنفية السمحة) وفي الصحيح: (إن هذا الدين يسر) وشريعته كلها سمحة سهلة كاملة، يسيرة على من يسرها الله عليه.
{حريص عليكم} أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم.
{بالمؤمنين} لا بغيرهم.
{رؤوف} أي بليغ الشفقة، قال أبو عبيدة: " الرأفة أرق من الرحمة ".
{رحيم} أي بليغ الرحمة، كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه.
ما ستفاد من الآيات:
1 -تأمل هذه الآية وما فيها من أوصافه الكريمة ومحاسنه الجمّة التي تقتضي أن ينصح لأمته، ويبلغ البلاغ المبين ويسد الطريق الموصل إلى الشرك، ويحمي جناب التوحيد، غاية الحماية، ويبالغ أشد المبالغة في ذلك لئلا تقع الأمة في الشرك، وأعظم ذلك الفتنة في القبور.
2 -واقتضت هذه الآية ن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على أمته فيما ينفعهم.
قال أبو ذر: (تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علمًا) . رواه الطبراني
وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم) .