الصفحة 53 من 291

هذا إن كان لا بدَّ من اتِّخاذ شيخ في الطَّريقة، أمَّا وإنَّ التَّفريق بين العلم والفقه، وبين السُّلوك والطَّريق، من المبتدعات فخيرٌ لأهل المغرب، وغير أهل المغرب، أن لا يزيديوا على شيخ يجمع بين الفقه وبين السُّلوك، لتكون به القدوةُ الواصِلَتُهُم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

والشيخ، حين يجمع بين العلم وبين السُّلوك -أو قُلْ: بين الفقه وبين الطَّريقة- يكون قد بلغ الذِّروة، وأماط اللِّثام عَن مكنون الزَّمان، لا بيده، بل بحاله الناطقة بآيات العمل الصَّالح، المُنبِئَة عن تقوى الله في كل ما يفعل ويدع.

فأيَّةُ عقول تلك، التي رضيت أن تتفَرَّق أوَّلًا على شيوخ الأذواق والطُّرق، تفرُّقًا غير حميد، فتكون أزمَّتُها في أيدٍ مملوءَةٍ ذنوبًا وجهلًا، وهي شامسةٌ عن العلم الذي ملأ بقاع الأرض، وأحيا فيها عقولًا وقلوبًا، من كل الأجناس والألوان، حتى تتامَّت لها النِّعمة، التي قال الله فيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [سورة المائدة: آية 3] .

ولست أدري -والله- كيف يرضى إنسانٌ يقلِّدُ مالكًا رحمه الله تعالى في الفقه، ثمَّ هو يرضى أن يتَّخذَ شيخًا آخر في السُّلوك والطَّريق، ربَّما كان أجهل الخلق في العلم، ومن أسوئهم في السُّلوك الباطن، كما يقولون؟

فالعلمُ هو الوثاقُ المتينُ للعقل والجوارح معًا، يوثق العقل بالحكمة الرَّاشدة، ويوثق الجوارح بالعمل الصَّالح، وما بين العقل وبين الجوارح، كما بين الماء وبين التُّراب، فإذا أصَاب الماءُ تُرابَ الأرض، أخصبت، وأينعت، وأنبتّت زَرْعها و شَجَرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت