فهرس الكتاب
إذًا؛ فأخذُ العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقطع ولن ينقطع أبد الدَّهر، وستظل هذه الأمَّة -ما بقيت الحياةُ- قائمةً بحقِّ هذا العلم، تنضُو به لباس الجهل عَن الأمم والشُّعوب، وتزيل به اللَّبس الذي خالط عقيدة التَّوحيد.
غير أنَّنا -بكلِّ صدقٍ، ومن غير مَينٍ ولا تخيُّلٍ، ولا جذب، ولا هَوسٍ، ولا دَجلٍ- نقول: نأخذ عن رسول الله بوساطةٍ، ولا نأخذ عنه مباشرة، فنقول:"روينا عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَن الذين من بعدهم"، ولا نقول:"أخبرني قلبي عن ربِّي"! لأنَّنا نخاف الله وعذابه، ونرجو رحمته وثوابه، ونستحيي من الكذب الصُّراح، والدَّجل البواح، ونخشى أن تُصيبنا دائرة، أو أن تُحيقَ بنا فتنةٌ، ثمَّ نحبُّ أن نَظلَّ عقلاءَ!!
وكُتب السُّنَّة -والحمد لله- لم تغادر شيئًا مِمَّا تحتاجه الأمَّة في حَياتها الخاصَّة والعامَّة، وطالب العلم الذي يريد الخير لنفسه، وأن يتفقَّه في دينه -إذا ألمَّ بأدوات العلم ووسائله الميسَّرة- فإنَّ ما في الكتب يُغنيه ويُغنيه ويُغنيه، فلا حاجة لأن يأخذَ الفقه من غيرها، فإنَّ الفقه كلَّه في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباحث عن الفقه في غَير السُّنَّة -إن توفَّرت له أدوات العلم ووسائله- كالباحث عن ضالَّته في غابة كثيفة الأشجار!
وإنَّه لمِمَّا يُؤلم النَّفسَ، ويُحزن القلب، أن تسمع بأقوامٍ أو رجالٍ يقولون: إنَّ من يشتغل بالحديث أو بالسُّنَّة وعلومها لا يكون فقيهًا، فالفقه شيءٌ والسُّنَّة وعلومها شيءٌ آخرًا! (38)