الصفحة 35 من 45

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وبعد ...

ففي «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:

«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ، وفي «صحيح مسلم» عن جابر رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: «إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .

فلا يشك عاقل عارف بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أنّ ما يفعله كثير مِن المسلمين في المسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما مِن المساجد مِن حجز المكان مِن صلاة إلى صلاة أو قبل الصلاة بمدة إلى حين وقتها [1] لا يشك العاقل بأنّها محدثة لم تكن معهودة عند سلفنا الصالح رضوان الله عليهم وما كانوا يعرفونها، وأنّها مِن محدثات الأمور التي فَشَت في زماننا هذا لقلّة العلم وانتشار الجهل والتي قد حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم مِن اتباعها قي حديث العرباض بن سارية حين قال: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [2] .

ومعلوم أنّ هذا العمل ليس عليه أثارة مِن علم أصلًا ولا هو مِن عمل النبي صلى الله عليه وسلم ولا مِن سنة الخلفاء الراشدين المهديين مِن بعده ... وغالبية مَن يقوم به يدّعي الحرص على الصف الأول لِمَا فيه مِن الأجر والثواب، فمثل هذا يقال له: إنّك لست بأحرص مِن الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، ولو كان في عملك هذا خيرًا لسبقوك إليه لأنّهم خير القرون بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم [3] .

ثم إنّ حِرْصك على الصف الأول يستلزم بقاءك فيه ولزومك لذلك المكان تنتظر الصلاة إلى الصلاة لِمَا في ذلك مِن الأجر العظيم والثواب الكبير كما جاء في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» .

فانظر إلى الثواب العظيم في انتظار الصلاة بعد الصلاة حتى شبّهه النبي صلى الله عليه وسلم بالمرابطة في الجهاد لأنّه مرابطة على جهاد النفس لتطويعها على طاعة الرحمن. ثم انظر كم يفوّت أصحاب هذه البدعة على أنفسهم مِن الأجر العظيم لأنّ ذلك الثواب لا يتعيّن إلا بمكوثك بذاتك تنتظر الصلاة بعد الصلاة لا أنْ تضع كتابًا أو قطعة قماش أو سجادة لترابط مكانك ثم تغيب الساعات وترجع بعد ذلك لتتخطى رقاب الناس الذين سبقوك بتبكيرهم ولم يتمكّنوا مِن الجلوس في ذلك المكان لاغتصابك إياه. وهم أولى به منك لتبكيرهم إلى هذه الصلاة .. فما ذلك برباط .. ما ذلك برباط.

مِن ذلك تعلم رحمنا الله تعالى وإياك أنّ هذه بدعة يجب عليك تركها والإنكار على فاعلها، وقد كانت منتشرة في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حتّى أنّه سئل: «عمّن يحتجر موضعًا مِن المسجد بسجادة أو بساط أو غير ذلك هل هو حرام؟ وإذا صلى إنسان على شيء مِن ذلك بغير إذن مالكه هل يكره أم لا؟ فأجاب: «ليس لأحد أنْ يتحجر مِن المسجد شيئًا لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطًا ولا غير ذلك، وليس لغيره أنْ يصلي عليها بغير إذنه، لكنْ يرفعها ويصلي مكانها في أصح قولي العلماء. والله أعلم» «مجموع الفتاوى» (22/ 193) الفقه.

وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر:

(1) وكذلك ما يفعله بعض المؤذنين مِن وضع سجادات مميزة في المسجد خلف موضع الإمام مباشرة، إشارة إلى أنّ ذلك الموضع محجوز لهم على الدوام.

(2) رواه الإمام أحمد في «مسنده» وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم.

وذكر تخريجه الألباني حفظه الله في «كتاب السنة» لابن أبي عاصم (31 - 32/ 19) الجزء الأول، وصحّحه في «صحيح الجامع الصغير» (2546/ 2)

(3) حديث «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» مخرج في «الصحيحين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت