فهرس الكتاب
(( أما نظريتهم الثانية في باب النساء، فخلاصتها أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة هى نجس في نفسها يجب أن تتجنب - ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمى مشروع - هذا التصور الرهبنى للأخلاق الذى كانت جذوره تكاد تتأصل في أوروبا من قبل، بتأثير الفلسفة الإشراقية(NEO- Platonism) جاءت المسحية فزادته شدة، وبلغت به منتهاه. وذلك أن أصبحت حياة العزوبة مقياسًا لسمو الأخلاق وعلو شأنها، كما صارت الحياة العائلية علمًا على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع، وجعلوا يعدون العزوبة تجنب الزواج من أمارات التقوى والورع وذكاء الأخلاق. وأصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة ألا يتزوج أصلًا ، أو لا يعاشر أمرأته معاشرة الزوج لزوجته على الأقل! وكذلك قرروا ووضعوا القوانين في مؤتمراتهم الدينية إلا بمرأى من الناس، وأو أمام رجلين من رجالهم على الأقل.. وما آلوا جهدًا في أن يثبتوا في قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية وتنجسها.. وخذ لذلك مثلًا أن كان شائعًا بينهم، أن الزوجين اللذين اتفق لهما أن يبيتا معًا ليلة عيد من الأعياد، لا يجوز لهما أن يعيدا ويشتركا مع القوم في رسومهم ومباهجهم، كأنى بهم يرون أنهما قد اقترفا سلبهما حق المشاركة في حفل دينى مقدس عندهم.. وقد بلغ من تأثير هذا التصور الرهبنى، أن تكدر صفو ما بين أفراد الأسرة والعائلة من الأواصر. وحتى ما بين الأم والولد منها. إذ أمسى كل قرابة وكل سبب ناتج عن عقد الزواج يعد إثمًا وشيئًا نجسًا !
(( وهاتان النظريتان ما وضعتا من مكانة المرأة وحطتا من شأنها في حقول الأخلاق والاجتماع فحسب، بل كان من مفعولهما القوى، ونفوذهما البالغ في القوانين المعينة، أن أصبحت الحياة الزوجية مبعث حرج وضيق للرجال والنساء بجانب، وبجانب آخر انحطت منزلة المرأة في المجتمع في كل ناحية من نواحى الحياة ) ) (1) 0
(1) كتاب الحجاب (( للأستاذ المودودى ) )ص25- 28