الصفحة 31 من 75

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماننا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم

و خافون إن كنتم مؤمنين آل عمران /173 - 175

كتب الأستاذ الشهيد - كما نحسبه - سيد قطب رحمه الله في ظلال هذه الآية:

(( وتحدثنا بعض روايات السيرة عن صور من ذلك القرح ومن تلك الاستجابة: قال محمد بن اسحق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحدا قال: شهدنا أحدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأخي، فرجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي - أو قال لي - أتفوتنا غزوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ والله مالنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنت أيسر جراحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة .. حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون( ... ) .

وهكذا تتضافر مثل هذه الصور الرفيعة على إعلان ميلاد تلك الحقيقة الكبيرة، في تلك النفوس الكبيرة. النفوس التي لا تعرف إلا الله وكيلا، وترضى به وحده وتكتفي، وتزداد إيمانا به في ساعة الشدة، وتقول في مواجهة تخويف الناس لهم بالناس: {حسبنا الله ونعم الوكيل} ثم تكون العاقبة كما هو المنتظر من وعد الله للمتوكلين عليه، المكتفين به، المتجردين له: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله} . فأصابوا النجاة -لم يمسسهم سوء - ونالوا رضوان الله. وعادوا بالنجاة والرضا. {بنعمة من الله وفضل} . . . فهنا يردهم إلى السبب الأول في العطاء نعمة الله وفضله على من يشاء. مع التنويه بموقفهم الرائع، فإنه يرد الأمر إلى نعمة الله وفضله، لأن هذا هو الأصل الكبير، الذي يرجع إليه كل فضل، ما موقفهم ذاك إلا طرف من هذا الفضل الجزيل‍ {والله ذو فضل عظيم} .

بهذا يسجل الله لهم في كتابه الخالد، وفي كلامه الذين تتجاوب به جوانب الكون كله، صورتهم هذه وموقفهم هذا وهي صورة رفيعة، وهو موقف كريم.

وينظر الإنسان في هذه الصورة وفي هذا الموقف، فيحس كأن كيان الجماعة كله قد تبدل ما بين يوم وليلة. نضجت وتناسقت. واطمأنت إلى الأرض التي تقف عليها. وانجلى الغبش عن تصورها وأخذت الأمر جدا لكه. وخلصت من تلك الأرجحة والقلقلة، التي حدثت بالأمس فقط في التصورات والصفوف. فما كانت سوى ليلة واحدة هي التي تفرق بين موقف الجماعة اليوم وموقفها بالأمس .. والفارق هائل والمسافة بعيدة .. لقد فعلت التجربة المريرة فعلها في النفوس وقد هزتها الحادثة هزا عنيفا. أطار الغبش وأيقظ القلوب وثبت الأقدام وملأ النفوس بالعزم والتصميم، نعم .. وكان فضل الله عظيما في الابتلاء المرير .. وأخيرا يختم هذه الفقرة بالكشف عن علة الخوف والفزع والجزع .. إنه الشيطان يحاول أن يجعل أولياءه مصدر خوف ورعب، وأن يخلع عليهم سمة القوة والهيبة .. ومن ثم ينبغي أن يفطن المؤمنون إلى مكر الشيطان، وأن يبطلوا محاولته. فلا يخافوا أولياءه هؤلاء، ولا يخشوهم. بل يخافوا الله وحده. فهو وحده القوي القاهر القادر، الذي ينبغي أن يخاف: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} .

إن الشيطان هو الذي يضخم من شأن أولياءه، ويلبسهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في القلوب أنهم ذوو حول وطول وأنهم يملكون النفع والضر .. ذلك يقضي بهم لباناته وأغراضه. وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار، ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم، ودفعهم عن الشر والفساد.

والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل، وأن يتضخم الشر. وأن يتبدى قويا قادرا قاهرا بطاشا جبارا، لا تقف في وجهه معارضة ولا يصمد له مدافع، ولا يغلبه من المعارضين غالب .. الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا. فتحت ستار الخوف والرهبة وفي ظل الإرهاب والبطش، يفعل أولياءه في الأرض ما يقر عينه ‍، يقلبون المعروف منكرا والمنكر معروفا، وينشرون الفساد والباطل والضلال، و يخفتون صوت الحق والرشد والعدل، ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمي الشر وتقتل الخير .. دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم، ومطاردتهم وطردهم من مقام القيادة بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذي يروجون له، وجلاء الحق الذي يطمسونه ..

والشيطان ماكر خادع غادر، يختفي وراء أولياءه وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته .. ومن هنا يكشفه الله، ويوقفه عاريا لا يستره ثوب من كيده ومكره. ويعرف المؤمنون الحقيقة .. حقيقة مكره ووسوسته، ليكونوا منها على حذر. فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم. فهم وهو أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه ويستند إلى قوته {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} . أهـ، الظلال (520 - 521) .

وما أشبه الليلة بالبارحة وقد حل بقليل الآخرين - جعلنا الله منهم - ما كان قد جرى مع ثلة الأولين رضي الله عنهم. فقد كان بين الظاهرين على الحق في هذا الزمان وبين أعدائهم الظالمين من اليهود والصليبيين والمرتدين جولات وجولات .. إلى أن شاء الله أن يقدر المحنة على الثلة المؤمنة، وبدا وكأن الصائل المركب قد كسب آخر الجولات .. وخرجت بقايا الظاهرين على الحق من خطوط المواجهة في بلادها، إلى طريق الهجرة في سبيل الله، لتدخل في دروب الشعب والحصار والتمحيص وإعادة البناء في أتون المحنة.

وفاءت جموع هؤلاء الثابتين إلى أفغانستان حيث كانت رعاية الله قد أقامت قاعدة أولية لهذه الأمة في هذا الزمن بقيام أحكام الشريعة وشوكة الجهاد. فقام الباطل وأعوانه يجمعون الجموع ويحكمون الحصار .. على هذه الثلة المؤمنة من المهاجرين والأنصار الجدد.

وهاهي أمريكا وأعوانها من الأوربيين واليهود وصنيعتهم الظالمة، (الأمم المتحدة) يعلنون الحرب والحصار ويجمعون الجموع للقاء الحاسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت