فهرس الكتاب
قال الإمام القرطبي رحمه الله:"وأما حديث عبادة بن الصامت؛ فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي, عن عبادة بن نسي, عن الأسود بن ثعلبة, عنه, والمغيرة معروف بحمل العلم, ولكنه له مناكير, هذا منها. قاله أبو عمر".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 2/ 14] . ويعني بأبي عمر: ابن عبد البر, وانظر كلامه في التمهيد 21/ 114.
وقال الصنعاني رحمه الله في"سبل السلام":"وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس إذ حديث ابن عباس صحيح, وحديث عبادة في رواية مغيرة بن زياد مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه وفيه الأسود بن ثعلبة فيه مقال فلا يعارض الحديث الثابت".اهـ
وقد صحح الشيخ الألباني -غفر الله له- هذا الحديث بشواهده, انظره في السلسلة الصحيحة [المجلد الأول/القسم الأول ص515] . ولو سلمنا بصحته فجواب ذلك في الوجه الثاني.
الوجه الثاني: قال الصنعاني في"سبل السلام":"ولو صح فإنه محمول على أن عبادة كان متبرعًا بالإحسان وبالتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة فحذره صلى الله عليه وسلم من إبطال أجره وتوعده، وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه".اهـ
وقال العظيم آبادي رحمه الله:"وتأولوا -أي: الجمهور- حديث عبادة على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع فحذره النبي صلى الله عليه وسلم إبطال أجره وتوعده عليه وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعًا قد غرق في بحر تبرعًا وحسبة فليس له أن يأخذ عليه عوضًا ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزًا، وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب".اهـ [عون المعبود 9/ 152] .
قال الإمام النووي رحمه الله:"وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين أحدهما: أن في إسناده مقالًا. والثاني: أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئًا ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. والله أعلم".اهـ [التبيان في آداب حملة القرآن] .
-واستدلوا بحديث أبي الدرداء مرفوعًا: (من أخذ على تعليم القرآن قوسًا قلده الله مكانها قوسًا من نار جهنم يوم القيامة) رواه البيهقي وقال:"والحديث ضعيف".اهـ
-واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: (من أخذ على القرآن أجرًا فذاك حظه من القرآن) رواه أبو نعيم في الحلية, وقال المناوي:"في إسناده كذاب".اهـ
-واستدلوا -أيضًا- بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله, ما تقول في المعلمين؟ قال: (درهمهم حرام, وثوبهم سُحت, وكلامهم رياء) .. وهو حديث موضوع لا أصل له, قال الإمام القرطبي رحمه الله:"وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم, عن حماد بن سلمة, عن أبي جُرهم, عنه, وأبو جُرهم مجهول لا يُعرف, ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له: أبو جرهم, وإنما رواه عن أبي المُهزِّم, وهو متروك الحديث أيضًا, وهو حديث لا أصل له".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 2/ 14] .
وبالجملة فإن عامة ما استدلوا به من السنة ضعيف لا يصح, قال الإمام القرطبي رحمه الله:"وأما الأحاديث؛ فليس شيء منها يقوم على ساق, ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل .. وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل".اهـ [الجامع لأحكام القرآن 2/ 13 - 14] .
وأما القياس: فقد قالوا:"لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن, لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يُحتاج فيها إلى نيةِ التقرب والإخلاص, فلا يُؤخذ عليها أجرة, كالصلاة والصيام".اهـ