فهرس الكتاب
( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (1) .
بل وصل من اتصال الدنيا بالآخرة في حس المسلمين الأوائل أنهم كانوا يعيشون بواقعهم في الحياة الدنيا ، ولكن مشاعرهم وأفكارهم متعلقة بالآخرة ، يعيشونها كأنها حاضر أمامهم مشهود .
لقد كان من شدة التركيز في القرآن على البعث والحساب والجزاء ، ومن الحيوية الفياضة في عرض مشاهد القيامة في القرآن ، أن عاش المسلمون بحسهم وخيالهم في اليوم الآخر كأنما يرونه أمامهم اللحظة ويعيشون أحداثه ، بل كأنما الدنيا بكل واقعها ماضٍ قد كان ، والآخرة بأحداثها هي الحاضر الآن !
( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) (2) .
وبهذا الإيمان الراسخ باليوم الآخر إلى درجة اليقين ، وبهذه الحيوية في العرض ، التي تهز الوجدان من أعماقه ، كان الواحد منهم يعيش لحظته الحاضرة ، ثم يعيش - في التوّ - جزاءها في الآخرة ! ها هو ذا يعمل العمل في هذه اللحظة في الحياة الدنيا ، ثم يتصور موقعه من الجنة حين يكون عمله في طاعة الله . ثم ها هو ذا يعمل العمل في هذه اللحظة في الحياة الدنيا - أو يهم به - ثم ينظر - في خوف وإشفاق - ليرى موقعه من النار إذا كان العمل في معصية الله .
ومن ثم صلحت أعمالهم في الحياة الدنيا - في غالبيتها العظمى - بل ارتفعت إلى تلك الآفاق العالية التي تشبه المعجزات ..
(1) سورة الأعراف [ 29 - 30 ] .
(2) سورة الطور [ 25 - 28 ] .