محمد قطب
مقدمة الطبعة الأولى
يجتاز العالم الإسلامي اليوم مرحلة من أسوأ مراحله ... يمكن أن نطلق عليها مرحلة التيه
ولقد مرت بالعالم الإسلامي أزمات كثيرة من قبل, بل نكبات كثيرة, كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض, أو يفقدون أمنهم وطمأنينتهم, أو يفقدون ديارهم وأموالهم ... ولكنهم مع ذلك لم يخوضوا تجربة أقسى ولا أمر من تجربتهم المعاصرة في تاريخهم كله.
لقد كانت أزمة الردة -مثلًا- أزمة حادة ولا شك, توشك أن تهدد الدولة الناشئة وتعوّق حركتها وهي في مهدها. ولكن الناظر إلي السنن الربانية لم يكن ليخالجه الشك في أن النصر سيكون للدولة المسلمة, وليس للمرتدين هنا أو هناك في أرجاء الجزيرة العربية. فقد كان إيمان المسلمين بالحق الذي اعتنقوه, وعمق صلتهم بربهم, وإخلاصهم لدينه, أضعاف إيمان المرتدين بباطلهم المزيف الذي يقاتلون من ورائه, مع خلو موقفهم من أية قيم حقيقية إلا الهوي والشهوات! وما كان من جزع الصحابة رضوان الله عليهم, ومشورتهم علي أبي بكر - رضي الله عنه - بالتريث في قتالهم, فلم يكن ذلك لشك في نفوسهم أن الله سينصر دينه, إنما كانت مشورتهم من أجل إتاحة الفرصة لتجميع الجيش الكافي للمعركة. ولكن إيمان أبي بكر - رضي الله عنه - الراسخ, وثقته العميقة بوعر الله بالتمكين لهذا الدين في الأرض, وحساسيته المرهفة أن يترك الخارجين علي أمر الله دون أن يسارع في توقيع العقوبة التي أمر الله بإنزالها بهم .. كل ذلك قد فعل فعله في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم, فوقفوا صفًا واحدًا وراء أبي بكر - رضي الله عنه - ... ونصر الله دينه كما وعد.