وعود القرآن
بالتمكين للإسلام
تأليف الدكتور
صلاح عبد الفتاح الخالدي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فإن أوضاع المسلمين في هذا الزمان عجيبة غريبة، وهم يعيشون حياة خاصة شاذة، لا يُقاس عليها، ولا تُقاس على غيرها، ولم يسبق أن عاشها المسلمون السابقون في مختلف فترات تاريخهم.
ابتعد كثير من المسلمين عن إسلامهم، بنسب متفاوتة، وخرج بعضهم عن الإسلام خروجًا صريحًا، وعاش بعضهم (ازدواجية) عجيبة، بين الفكر والسلوك، والإيمان والعمل، تناقضوا فيها بين ما هو في تصوّراتهم وأفكارهم، وبين ما هو في تصرفاتهم وأعمالهم، وانطبق عليهم في هذا الجانب قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف: 2 - 3] .
ونتج عن هذه الحالة المرَضيّة ظهور أجيال جديدة من أبناء المسلمين، ليس لها من الإسلام إلا الأسماء التي تسمّوا بها، وإلا بعض المشاعر والعواطف القلبية، وبعض الأفكار العقلية، وبعض الممارسات الإسلامية في المناسبات.
وهذا لا ينفي وجود أفراد مؤمنين صالحين، رجالًا ونساء، في كل قطر أو مدينة أو بلدة من بلاد المسلمين، ومختلف بلاد العالم. ومن وجود دعوات وحركات وتنظيمات إسلامية هنا وهناك، تعمل على توعية المسلمين وتبصيرهم، وإعادتهم إلى دينهم .. وأحدثت هذه الحركات (صحوة) إسلامية مباركة، تمثّلت في عدة ظواهر ومظاهر، علمية وعملية، في بلاد المسلمين .. لكن أنصار هذه الصحوة ما زالوا قلائل في مجتمعاتهم، وما زالوا (غرباء) بين أهليهم، يعيشون غربتهم القاسية بصبر وثبات، واحتساب وتوكل على الله!.
ونجح الأعداء في هذا الزمان، في إبعاد الإسلام عن الوجود الفعلي الحي المؤثر في حياة المسلمين، وإقصائه عن مجتمعاتهم وتشريعاتهم، وحياتهم العامة؛ السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والأخلاقية، والتربوية والإعلامية، والفنية والداخلية والخارجية. وكانت البداية في القضاء على الخلافة في الربع الأول من القرن العشرين، ثم توالت المشكلات المتلاحقة على المسلمين.
وصاحبَ ابتعاد كثير من المسلمين عن إسلامهم (حروبًا) عالمية، شنّها أعداء الأمة على إسلامها، منذ مطلع القرن العشرين المنصرم، حيث قام الأعداء الإنكليز والفرنسيون، والإسبان والطليان، والهولنديون والبلجيكيون، والروس والصينيون، في احتلال واستعمار مختلف بلاد المسلمين .. وأعطى هؤلاء الأعداء الأرضَ المقدسة (فلسطين) وطنًا قوميًا لليهود.
وقُبيل منتصف القرن العشرين أقام اليهود دولتهم على الأرض المقدسة فلسطين، ووسط الدعم المتتابع من الأعداء لليهود، والتراجع المتتابع من العرب والمسلمين، أتم اليهود احتلال فلسطين كلها، وأجزاء من دول عربية أخرى عام 1967م.
وبدل أن يحارب العرب الغاصبين اليهود، ويُحرروا الأرض المقدسة منهم، عقدوا معهم اتفاقيات، سمّوها (اتفاقيات سلام) ، تمكّن اليهود بسببها من الانتشار، والاستعمار الاقتصادي والفكري، والأخلاقي والإعلامي، والفني والسياسي، في بلاد المسلمين.
واستمرت الحرب الصليبية التلمودية ضد المسلمين، واتخذت لها عدة مظاهر وجوانب، وصور ونماذج!.