الصفحة 2 من 3

يقول الشيخ عن تلك المرحلة (إن الإيطاليين كانوا يجبرون والدي على أن يبعث لي بالرسائل في مصر يستحثني على الرجوع لأنه في مسيس الحاجة إليّ فكنت أُؤمن أن هذا من مكائد النصارى الإيطاليين فلا ألتفت إلى هذه الرسائل) . وفي عام 1927 م تيسر للشيخ عيسى الالتحاق بالمعهد الأزهري فأتم دراسة المرحلة الابتدائية الأزهرية وكان (الثاني) على مستوى المملكة المصرية عام 1931م، ثم أتم المرحلة التوجيهية الثانوية عام 1936م ومنها الى جامعة الأزهر حيث درس الفقه المالكي وتبحر فيه، ودرس الفقه المقارن بكلية الشريعة وتخرج منها عام 1940م ثم قرر الشيخ العودة الى ليبيا بعد خمسة عشر عامًا في رحلة الطلب، ورفض الشيخ العودة إلى ليبيا على نفقة الانجليز فعاد على نفقته في عام 1941م لتعليم الناس وإرشادهم فتصدر للتعليم والإفتاء والوعظ والقضاء بين المتخاصمين والقبائل وكان رحمه اللهتعالى عالمًا بالفقه والمذاهب والتاريخ والأنساب والقراءات وغيرها، وكان مرجعًا للجميع يصدرون عن رأيه، وكان الشيخ رحمه الله محبوبًا للجميع لأدبه الجم وخلقه الرفيع، وكان ذا روحٍ خفيفة ودعابة مع هيبة ووقار، وقد لاقى الشيخ ما لاقى في سبيل دعوته حيث كان يلاقي الغمز واللمز من العامة الغارقين في أوحال البدع والشرك آنذاك وكانوا ينعتونه بالوهابي، ولكن الغالبية العظمى من أهالي المنطقة كانوا يسمعون للشيخ ويلتزمون بدعوته.

ابتلاء .. وايذاء:

تفرغ الشيخ لتعليم الناس وإفتائهم لمدة ثماني وخمسين سنة 1941 - 1999م، ولاقى العنت والمشقة شأن كل داعية مصلح، وكان قمة الإيذاء الذي لاقاه الشيخ من ثورة القذافي وزبانيته، فمنع الشيخ مرارًا من التصدر للتعليم والإرشاد، ومنع الطلبة وعموم الناس من التردد على بيته الذي كان مفتوحًا طوال اليوم، واعتقلت السلطات خيرة طلبة الشيخ وتلاميذه، وفي عام 1982م تم التحقيق معه ومنعه من أي نشاط، وعندما قتل الطاغوت (أحمد مصباح الورفلي) في عام 1986م اعتقل الشيخ ووضع في زنزانة انفرادية لمدة أربعين يومًا، وكان آنذاك في الثانية والثمانين من عمره، فلم يراعوا كبر سنه ولا عجزه ولا اعتلال صحته، وأجبر على التعهد بعدم التحدث إلى الناس في أي موضوع يمس شؤون الحكم أو أجهزة النظام، وعاش الشيخ وهو يرى ويسمع أعوان الطاغوت يعتقلون تلاميذه لسنوات متتالية واحدًا بعد الآخر، ومع ذلك بقي واعظًا ومرشدًا ومفتيًا لمن يصل إليه، ومما غاظ أجهزة النظام قبل وفاة الشيخ فتواه الأخيرة بحرمة التعامل مع البنوك الربوية وإيداع الأموال فيها.

وفاته:

وهاهو الشيخ العلامة عيسى بلقاسم الفاخري يودع الدنيا في يوم الجمعة الثاني من شهر رمضان المبارك لعام 1420هـ عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عامًا، قضى ستين عامًا منها في الدعوة والتعليم وشاهدًا على دار من ديار الإسلام تعاقبت عليها جيوش النصارى رافعة راية الصليب لأكثر من ثلاثين عامًا، ثم خرج الإنجليز الحمر - كما يقال- وبقى الإنجليز السمر من أبناء جلدتنا وجيوش الردة لأكثر من ثلاثين عامًا أخرى.

ورحل الشيخ عيسى رحمه الله دون ضجة ولا دعاية لأنه لم يكن مفتيًا للطغاة، ولا نصيرًا لهم باسم الإسلام، ولم يسخر علمه - الذي تعب في تحصيله - لأسلمة القذافي وثورته وشعاراته.

رحم الله الشيخ عيسى الفاخري وغفر له وتقبله في الصالحين، وأحسن عزاءنا فيه، وجمعنا به في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت