الصفحة 76 من 142

وتسقط الدعاوى الأخرى تباعا .. وتبقى حقيقة مهمة هي أن هذه الحركة لا يمكن أن تأخذ صورتها التي أخذتها بالفعل إلا أن تكون صادرة عن أمة ممتلئة بهذا الدين حتى أعماقها حريصة عليه، مؤمنة به، راغبة فيه، راغبة في نشره في آفاق الأرض .. فقد أشرنا في أكثر من كتاب إلى أن"القوة"وحدها لا تفسر ما حدث في هذه الحركة من العجائب .. فكم استخدمت القوى الطاغية في الأرض قوتها للتوسع في الأرض، فلم تصنع ما صنعته الحركة الإسلامية! إن السيف -كما قلت في أكثر من موضع- يمكن أن يفتح الأرض، ولكنه لا يفتح القلوب! والذي حدث في حركة الفتح الإسلامي لم يكن مجرد التوسع في الأرض، إنما كان فتح القلوب لتعتنق الإسلام، وكان -في كثير من الأقطار- اتخاذ لغة الدين الجديد لغة"قومية"، ونسيان الشعوب المفتوحة ما كانت تستعمله من قبل من اللغات! حتى الذين بقوا على دينهم .. بغير إكراه!

لو لم يكن الفاتحون مسلمين حقًا، بمعنى الإيمان بهذا الدين، وممارسته في عالم الواقع، والتمكن منه عقيدة وسلوكا وحركة، ما حدثت هذه العجائب في الفتح الإسلامي.

وأمر آخر يتعلق بهذه القوة ذاتها .. إنها في غالب الأحيان لم تكن هي الأكبر عددا وعدة وخبرة حربية .. إنما كان العدد والعدة والخبرة في الجانب الآخر، جانب الذين انهزموا أمام"قوة"المسلمين! فلو لم يكن هناك عنصر آخر -غير مادي- في جانب الفاتحين ما تمكنوا من التغلب على أعدائهم الذين يفوقونهم في فنون الحرب، كما يفوقونهم في العدد والعدة سواء. ذلك العنصر هو العقيدة الحية التي تملأ القلوب ..

وهذه هي الدلالة التي نركز عليها هنا في وجه الدعاوي التي تقول إن انحرافات بني أمية قضت على هذا الدين وهو بعد في المهد! وتلك نقطة ينبغي أن نقف عندها طويلا حتى نقوّمها في نفوس الدراسين.

ينبغي أن نلغي من حسهم ذلك الإيحاء الخبيث بأن الإسلام قد انتهى بعد الخلافة الراشدة ولم يعد له وجود. ويكون ذلك بعرض الواقع الإسلامي بأمانة كاملة وبدقة كذلك، بانحرافاته واستقاماته معًا في وقت واحد. وسيتبين لنا بالحساب، حساب مجموع الانحرافات ومجموع الاستقامات أن الحصيلة المتبقية ضخمة جدا رغم وجود الانحراف. ويكون هذا بالتالي فرصة سانحة لتقدير عظمة هذا الدين وضخامته، وأصالة جذوره في التربة وتعمقها، بحيث يُجْتثّ منها ما اجتثته الدولة الأموية ثم تبقى منه هذه الحصيلة الضخمة، وتبقى تلك الحيوية التي تسعى لنشر الدين في الأرض بكل الإصرار والتدفق والحماسة التي قام بها المسلمون في العهد الأموي بالذات، سواء في أثناء قيامهم بالحكم في المشرق، أو بعد انتهاء دولتهم في المشرق واستمرارها في المغرب والأندلس بعد ذلك، واقتحامها جنوب أوربا في أكثر من موضع ..

وينبغي في الوقت ذاته -بعد التأكيد على هذا المعنى وطرد تلك الأسطورة الخبيثة من الأذهان -ألا نهوّن من الانحرافات التي وقعت من الأمويين. إنها انحرافات. وينبغي أن يظل في حسنا أنها انحرافات. وكل تهوين من أمرها هو تهوين من القيم الإسلامية ذاتها، وضرورة إبقائها في التطبيق الواقعي ناصعة وضيئة تشهد لهذا الدين ..

وهذا درس تربوي لازم لنا في دراستنا الههادفة، التي تلتزم في الوقت ذاته الحقيقة العلمية كاملة بغير تزييف.

ولنلق نظرة على"المجتمع الإسلامي"بصرف النظر عن انحرافات بني أمية في التطبيق .. هل تغير؟ وكم تغيّر؟

ولنعد إلى السمات التي وصفنا بها المجتمع الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين في الفصل السابق، لنرى مدى القرب أو البعد من ذلك الجيل الفريد ..

قلنا إنه -في عمومه- مجتمع مسلم، عميق الإيمان بالله واليوم الآخر، مطبق لتعاليم الإسلام بجدية واضحة والتزام، وبأقل قدر من المعاصي وقع في أي مجتمع في التاريخ.

وإنه المجتمع الذي تحقق فيه على أعلى مستوى المعنى الحقيقي"للأمة".. أمة العقيدة.

وإنه مجتمع أخلاقي، يقوم على قاعدة أخلاقية واضحة، مستمدة من أوامر الدين وتوجيهاته.

وإنه مجتمع جاد، مشغول بمعالي الأمور لا بسفسافها.

وإنه مجتمع مجند للعمل في كل اتجاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت