وانتظر حتى علت الشمس وكان الضحى، فخرج يجول في أزقة مكة وطرقها، وكان الناس قد انصرفوا إلى دورهم ليقيلوا، فلم يلق في تطوافه أحدا. واشتد الحر وتخاذلت ساقاه، وزاغ بصره، وأحس بجوفه يلتهب التهابا من العطش، و كان قد صار في أسفل مكة فألقى بنفسه في ظل جدار. وكان من أكبر أمانيه أن يدركه الأجل فيموت مؤمنا، فيتخلص من هذا الشقاء وينال سعادة الأبد. وجعل ينكب التراب بيده، وهو سادر في أمانيه، فلمس يده شيء مستطيل لين فسحبها ونظر، فإذا هو بذنب حية مختبئة خلال التراب، فتعوذ بالله، ثم عاودته رغبته في الموت، وتمنى لو تلدغه فتريحه، ثم ذكر أنه لا ينبغي للمؤمن أن يطلب الموت، وإنما ينبغي له أن يقول:"اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأمتني إن كان الموت خيرا لي". فقالها واستغفر الله.
وعاد يرقب الحية فإذا هي ساكنة، فعجب منها، ولمسها برجله فلم تتحرك، فبحث عنها وحفر، فإذا الذي رآه حزام وليس بحية، فشده فجاء في يده"هميان"فيه الذهب، عرفه من رنينه وثقله، فأحس جوعه وعطشه قد ذهبا، وكأن القوة قد صبت في أصابعه، والشباب قد عاد إليه ... وتصور أن سيحمل إلى نسائه الشبع والراحة، ويملأ أيديهن مما كن يتخيلنه ولا يعرفنه من نعيم الحياة، ورغد العيش، وجعل يفكر فيم يشتريه لهن، وكيف يلقين هذه النعمة التي ساقها الله إليهن، حتى كاد يخالط في عقله.
ثم تنبه في نفسه دينه، وعلا صوت أمانته يقول له: إن هذا المال ليس لك. إنما هي لقطة لابد لك من التعريف بها سنة، فإذا لم تجد صاحبها حلت لك.
وتصور السنة وطولها وهو يبحث عن عشاء يومه. وهل يبقى حيا سنة أخرى؟ وهل تبقى أسرته في الحياة؟ وماذا ينفعه أن يكون الذهب له بعدما مات من الجوع، ومات معه من يرثه؟ ... وأحس كأن قواه قد خارت، وودّ لو أعاد الهميان إلى مكانه، ولم يكن قد ابتلي هذه البلية ... ولكنه كان رجلا فقيها يعلم أن اللقطة إن مست فلا بد من التعريف بها، وإن هو أرجعها إلى مكانها وفقدت كان المسؤول عند الله عنها، أما إذا لم يمسها فلا شيء عليه منها ... وجعلت الأفكار تصطدم في رأسه، وتتراكض وتصطرع، حتى شعر أن عظم صدغيه سيتكسر من قرع الأفكار المتراكضة في رأسه، وطفق يسمع صوتا يهتف به أن:"خذها فهي رزق ساقه الله إليك. ادفع بها الموت عن بناتك اللائي أطاف بهن الموت. أشبع بها هذه الأكباد الغرثى. أكس هذه الأجساد العارية. ثم إذا أيسرت ردّها إلى صاحبها، أو دفعت إليه دنانير ناقصة لن يضره على غناه نقصها"..
ثم يسمع هاتف دينه يقول له:"اصبر يا رجل، ولا تخن أمانتك، ولا تعص ربك".
وعقد العزم على الصبر، واستعان بالله، وذهب إلى داره يخبأ الهميان حتى يجيء صاحبه ... أو يحكم الله فيه ..
ودخل الدار متلصصا، فرأته امرأته فقالت: ما جاء بك يا أبا غياث؟
قال: لاشيء. وأحب أن يكتمها خبر الهميان، وما كان يكتمها من قبل أمرا.
قالت: بلى والله؛ إن معك شيئا، فما هو؟